مسيرة كاتب ومعارك مفكّر

مسيرة كاتب ومعارك مفكّر

لــويــس عــوض 1915 ــ 1990

ينظر الوجوديون إلى الإنسان باعتباره (مشروعاً) لا يكتمل إلا بموت صاحبه, وبين لحظة الميلاد ولحظة الوفاة يمكن لهذا المشروع أن يتخذ مسارات عدة. هذا ما حاولت تلمسه في حالة المفكر والكاتب المصري الكبير لويس عوض.

كانت حياة لويس عوض الطويلة مليئة بالمواقف التي يختلط فيها العام بالخاص, إلا أننا نعتقد أن هناك بعض المواقف (الحدية) التي أسهمت بقوة في تشكيل شخصيته الفريدة منها:

ـ استقالة والده من العمل بالحكومة السودانية (1922م) الذي كان قد التحق به سنة 1902م على أثر نقله إلى وظيفة باشكاتب مديرية أعالي النيل (تعادل وظيفة سكرتير عام المحافظة حالياً) الذي اعتبره عقوبة أنزلها عليه رئيسه الإنجليزي على الرغم من معارضة الأسرة للاستقالة التي ستنزل بالمعاش إلى ثلث المرتب.

فقد تعلم الطفل لويس عوض (7 سنوات) من والده في هذا الموقف وجوب المحافظة على (الكرامة) حتى وإن كان الثمن الذي عليه أن يدفعه لقاء المحافظة على هذه (الكرامة) هو الاستقرار المادي والدخول في (مغامرات) مالية قد تكلفه الكثير. من هنا نستطيع أن نفهم قدرة لويس عوض على الاستقالة من جريدة الجمهورية في أعقاب أزمة مارس 1954م احتجاجاً على استخدام العنف ضد المتظاهرين واستنكاراً للاعتداء البدني على السنهوري باشا رئيس مجلس الدولة.

ـ تضحية أخيه (فكتور) بالتعليم الجامعي ـ نظراً لظروف العائلة المالية الصعبة ـ والتحاقه بمدرسة (التلغراف) التي تخرّج فيها بعد عام واحد من حصوله على (البكالوريا) ليعمل (معاون محطة). ويستطيع الشاب لويس عوض اقتطاع خمسة جنيهات كاملة من معاش والده لإكمال تعليمه الجامعي, وهو ما قدره لويس لأخيه, ولم يعتبر أبداً أن إنفاقه على ثلاثة من أبنائه حتى يكملوا تعليمهم الجامعي أو مساعدة أخويه (ألفونس) و(رمسيس) يمكن أن يُقارن بتضحية أخيه فكتور من أجله.

ـ وجود منزل الأسرة في مواجهة قسم بوليس (المنيا) الذي جعل لويس عوض يتفاعل ويتعاطف مع صرخات المحتجزين الذين كان يسمعهم يتأوهون ويجأرون تحت وطأة التعذيب. وهو ما جعله يتحمل ـ كما يقول يوسف إدريس في مقالة بـ (الأهرام) 20/11/1989م ـ أن يوضع رأسه المفكر في جردل مخلفات المعتقلين إبان اعتقاله عام 1959م لمدة ستة عشر شهرا مع (الشيوعيين).

مؤثرات فكرية

بعيداً عن تأثره الشديد بشخصية والده فقد تأثر لويس عوض أيضا بثلاث شخصيات عملاقة كان له بهم صلة مباشرة, وهم:

(العقاد ـ طه حسين ـ سلامة موسى) إضافة إلى تأثره بأساتذته الإنجليز في كلية الآداب.

نشأة لويس عوض في أسرة وفدية هي التي دفعته لمتابعة كل ما ينشره العقاد, وهو يقول عن ذلك: (فلما أقام محمد محمود ديكتاتورية اليد الحديدية عام 1928 وعطل دستور 1923 إلى أجل غير مسمى بلغ الشعور مداه, وتجلى أمامي العقاد كهرقل الجبار الذي كان يسحق بهراوته الشهيرة الأفاعي والتنانين والمردة وكل عناصر الشر في الحياة. وفُتِنت بالعقاد فكنت أخرج لاهثاً كل مساء في السابعة إلى محطة السكة الحديد بالجلباب والشبشب لأشتري (البلاغ) عند نزوله من القطار قبل أن تنفد أعداده).

لذلك, فهو لم يتردد في أن يذهب إلى صالون العقاد (بمصر الجديدة) فورأن وطأت قدماه أرض القاهرة, ليعبر عن إعجابه الشديد بكل ما يكتب في الأدب والسياسة, وظل يتردد على هذا الصالون بعد ذلك. إلا أن صدمة لويس عوض في العقاد كانت عنيفة عندما زاره قبل أن يسافر إلى إنجلترا 1937م ليخبره بأن الموضوع الذي قبلت جامعة كامبريدج تسجيله للدكتوراه هو (تقاليد التعبير الشعري في الأدبين الإنجليزي والفرنسي) ففوجئ برد فعل عنيف من قبل العقاد الذي قال له:

(لماذا تضيعون الوقت على هذه الموضوعات المنعزلة عن الحياة?! لماذا لا تكتب رسالة في موضوع: نداء الباعة في الشارع? إن نداء الباعة فيه دلالات تعرف منها خصائص كل أمة. يجب أن تكون الأبحاث الجامعية أقرب إلى الحياة الواقعية).

كانت مشكلة لويس عوض وجيله من الشباب أن أقطاب المثقفين ـ من أمثال أحمد لطفي السيد وطه حسين وهيكل والمازني ـ ربطت مصيرها بأحزاب الأقلية الأرستقراطية, ولا سيما (الأحرار الدستوريين) الذين ارتبطوا في التاريخ المصري بـ (تعطيل أحكام الدستور) وإقرار حكم (الصفوة). وهو ما وضع المثقفين من الشباب في أزمة التوفيق بين (الثقافة) و(الثورية), لذلك كان انشقاق طه حسين عن الأحرار الدستوريين في بداية الثلاثينيات وانضمامه إلى صفوة الشعب ذا أثر بالغ على لويس عوض وجيله, وساعد على ذلك موقف طه حسين الذي رفض (كعميد لكلية الآداب) منح أربعة من أقطاب السياسة درجة الدكتوراه الفخرية متحدياً حكومة صدقي باشا (قطب الاتحاد المصري للصناعات) وتحوله إلى رمز (لاستقلال الجامعة).

كان وجود لويس عوض بالجامعة في هذه الأثناء عاملاً حاسماً في اجتذاب شخصية العميد له الذي كان يسمع بأخبار تفوقه ونبوغه من أساتذته الإنجليز. وقد ساعده طه حسين في الحصول على البعثة إلى كامبريدج. وذهب لويس عوض لزيارة العميد قبل السفر فتبسط معه وطلب منه أن يزوره في باريس, وهناك نصحه بقراءة بعض المراجع التي يمكن أن ينتفع بها في بحثه لتقاليد الشعر الإنجليزي والفرنسي.

ويذكر لويس عوض أنه احتاج لمبلغ ثلاثين جنيهاً لدفع ثمن مجموعة من المراجع (فترجم كتاب) فن الشعر (لهوراس) عن اللاتينية وأرسله إلى أحمد أمين لنشره في لجنة التأليف والترجمة والنشر مقابل هذا المبلغ, فإذا بطه حسين يتدخل من تلقاء نفسه لدى البعثات للتنبيه على مستر واطسون مدير البعثة التعليمية بلندن ليرسل شيكاً بالمبلغ إلى لويس عوض لشراء مراجع على نفقة الدولة. واحتفظ بالكتاب حتى عاد لويس عوض من الخارج فاقترح عليه أن يتقدم به للحصول على درجة الماجستير من قسم اللغة اليونانية واللاتينية تحت إشرافه (وهو ما لم يحدث لتشدد أستاذ اللاتينية الدكتور سليم سالم معه).

الصدفة وحدها هي التي جمعت بين لويس عوض وسلامة موسى الذي عرّفه بتاريخ مصر القديمة ووجهه إلى (الاشتراكية) وقراءة (برنارد شو) وفتح عيونه على الأدب الروسي ـ عندما التقى صدفة في شارع إبراهيم باشا بأحد أقاربه من أبناء شارونة يدعى يعقوب فام وكان يعمل سكرتيراً لجمعية الشبان المسيحية.. فأخذ لويس عوض معه إلى مقر الجمعية القريب, وهناك استخرج له بطاقة عضوية بالمكتبة ودفع الاشتراك وكان جنيهين من جيبه ونزل معه إلى الدور الأول وعرفه بسلامة موسى.

ويصف لويس عوض اللقاء بقوله: (بقدر ما وجدت طه حسين مهيباً وعباس العقاد شامخاً وجدت سلامة موسى متواضعاً. كان غزير العلم في غير تكلف.. ولم تكن هيئته تدل على شيء: كان يمكن أن يكون مدرساً بالمدارس الثانوية أو طبيباً أو رئيس مصلحة حكومية. ولكن ما إن يبدأ في الكلام حتى يتدفق علمه الموسوعي ويتجلى ذكاؤه الحاد كالنصل القاطع). (أوراق العمر ص462)

أساتذة إنجليز

لعب بعض الأساتذة الإنجليز الذين درسوا للويس عوض دورا مهماً في تشكيل فكره ووجدانه وبخاصة (سكيف وديفيز وفيرنز وهولواي) ولذلك نجد لويس عوض يهدي ديوانه الأول (بلوتولاند) 1947 إلى أستاذه سكيف الذي يقول عنه:

(وأعتقد أن سكيف كان أكبر مؤثر في نموي الفني خلال سنوات الطلب في الجامعة. وأقول (الفني) لأن برين ديفيز وأوين هوالوي كانا يخاطبان العقل, ولا أذكر أن الوجدان كان له مقام كبير فيما يسردان من معلومات أو يقدمان من نقد وتحليل. وقد كان علمهما الغزير ينسيني (جوهر) ما دخلت كلية الآداب لأتعلمه, وهو تذوق الشعر والنثر والمسرح, وليس مجرد تكديس المعلومات حتى أكون دائرة معارف متنقلة... وحين كنت أختلف إلى محاضرات سكيف بمعدل أربع ساعات في الأسبوع, لم أكن أنتظر أن أتلقى منه علماً وإنما كانت عند سكيف قدرة سحرية على إبراز نبض الشعروالمسرح وإشاعة السحر والألوان في كل ما يلقي).

أما براين ديفيز فقد علم لويس عوض وزملاءه أثناء تدريسه لهم تاريخ إنجلترا وتاريخ الفكر الإنجليزي كيف ينظرون إلى التاريخ من خلال اقتصاديات المجتمع ووسائل الإنتاج فيه وصراع الطبقات. وقد كان ذلك مدخلاً آخر إلى (الاشتراكية).

رئيس قسم اللغة الإنجليزية روبرت فيرنز الذي حجز للويس عوض مكاناً في كلية الملك, واختار له موضوع الرسالة, كان شخصية مثيرة للعجب عند لويس عوض الذي عاد من إنجلترا 1940 ليجد أستاذه قد سلم رئاسة القسم إلى سكيف وانتقل إلى مكتب الرقيب العام في مبنى وزارة الداخلية (المخابرات), لذلك نجد لويس عوض يقول:

(وكنت أعجب لهذا التناقض في شخصيته ولا أتصور أن عالماً أكاديمياً يرضى لنفسه أن يترك الجامعة ليعمل رقيباً عاماً). كانت هذه القصة هي النافذة التي أطل منها ـ في الستينيات ـ اتهام المحقق المعروف محمود محمد شاكر للويس عوض بالعمل لحساب (مراكز التبشير) و(المخابرات الأجنبية).

الأستاذ أوين هولواي كان المؤثر الكبير في حياة لويس عوض الفكرية أيام الجامعة وبعدها فقد كان تدريسه لمادة (المؤثرات الأجنبية في الأدب الإنجليزي) هوما فتح عيون لويس عوض على (الأدب المقارن) الذي طبق أسسه على الأدب العربي في كتابه (على هامش الغفران) ودراسته عن (المؤثرات الأجنبية في الأدب العربي الحديث) وكتابه (أسطورة أوريست والملاحم العربية) كما كان تدريس هولواي لعلم الدلالة (السيميولوجي) وتعريفه لطلابه بعلم اللغة الحديث هو النواة التي ظلت تكبر في عقل لويس عوض إلى أن كتب (مقدمة في فقه اللغة العربية).

وقد فجر لويس عوض العديد من المعارك الفكرية التي شكلت مع غيرها من المعارك المماثلة (حيوية مصر) في النصف الأول من القرن العشرين. وهذا بالضبط العنوان الذي اخترته لكتابي المنشور منذ عدة سنوات حول الظاهرة ذاتها.

وأستطيع أن أستعيد هنا ـ على سبيل المثال ـ معركتين من أبرز معاركه التي فجرها والتي ساهمت بلا شك في تقدم الأدب والفكر العربي الحديث:

بلوتولاند.. الأدب والحياة

(انتهى الأدب الأناني.. انتهى الأدب الذي يعبد نفسه ويزعم للناس أنه يعبد فنه. وإذا لم يكن قد انتهى فسوف نعمل على إنهائه. فنحن على أعتاب عصر جديد ونحن نكتب الأدب في سبيل الحياة الجديدة).

بهذه الكلمات (الثورية) بدأ لويس عوض دعوته لأن يكون الأدب في سبيل الحياة من خلال موقعه كمشرف على صفحة الأدب في جريدة (الجمهورية) (التي كانت لسان حال الثورة) منذ عددها الأول الصادر يوم الاثنين 7 ديسمبر 1953م. وكان قد أصدر عام 1947م ديواناً شعرياً بعنوان (بلوتولاند) يضم التجارب الشعرية التي نظمها في أواخر الثلاثينيات مسبوقة ببيان طويل استغرق عشرين صفحة من صفحات الديوان استهله بقوله:

(مات الشعر العربي, مات عام 1932, مات بموت أحمد شوقي... فمن كان يشك في موته فليقرأ جبران ومدرسته وناجي ومدرسته. أما شعائر الدفن فقد قام بها أبو القاسم الشابي وإيليا أبو ماضي وطه المهندس.. وصاحب هذا الديوان).

وبناءً على هذه المقدمة فقد دعا لويس عوض إلى تحطيم الشعر وإلى الكتابة بالعامية!! ونحن نتحفظ على ما جاء في هذه المقدمة, لأن الشعر لا يموت بموت شاعر مهما كانت عظمته, ولأن المدارس الشعرية تعيش متجاورة ولا يعيش بعضها فوق أنقاض بعض, إضافة إلى أن كل الشعراء الذين ذكرهم كانوا يكتبون شعراً عربياً ولم يدَّع أحدهم أنه يكتب شعراً أجنبياً!!

ويبدو أن هناك مجموعة من العوامل كانت وراء دعوة لويس عوض إلى تحطيم عمود الشعر العربي والكتابة بـ (العامية) وأن يكون (الأدب في سبيل الحياة) نستطيع إجمالها في الآتي:

1 ـ أن الأدب العربي ظل لفترة طويلة من الزمن أدباً (ملوكياً) يعالج قضايا (النخب) ويتجاهل (العاديين) و(البسطاء) من أبناء الشعب.

2 ـ أن الأدب العربي (وبخاصة الشعر) ظل لفترة طويلة من الزمن حبيس (الأشكال) و(الأغراض القديمة), رغم تغيّر أشكال وأنماط الحياة تغيراً تاماً.

3 ـ أن اللغة العربية الفصحى (وهي مادة الأدب وقوامه) تختلف اختلافاً جذرياً على المستوى الصوتي والصرفي والتركيبي والدلالي عن (اللهجات) المتفرعة عنها, ولا ينقص هذه اللهجات حتى تكون (لغات) قائمة بذاتها سوى اعترافنا بذلك, ولا يحول دون هذا الاعتراف سوى خوفنا من اتساع الشقة بين أبناء العربية وكتابهم المقدس (القرآن).

4 ـ أن الأدب الشعبي (الذي أصبح الآن مـادة تدرس بكليات الآداب), كان ينظر إليه حتى ذلك الحين نظرة متعالية تهوي من شأنه.

كانت هذه العوامل هي الخلفية التي ساعدت على ظهور مدرسة جديدة في الشعر العربي ـ (المدرسة الواقعية) أو (الشعر الحر) أو (شعر التفعيلة) ـ تلتزم بضابط الإيقاع (الوزن) ولا تلتزم بحاجز الإيقاع (القافية) فتحول بذلك مفهوم (البيت الشعري) الذي يحتوي على عدد من التفعيلات إلى (السطر العشري) الذي قد يطول أو يقصر وفقاً لمقتضيات (الدفقة الشعورية) أو الموضوع المتناول, الأمر الذي ساعد على تناول موضوعات لم يكن من السهل تناولها في (الشعر العمودي), كما ساعد على التخلص من (الزوائد البلاغية) النابعة من (ضرورة الحفاظ على الشكل), إضافة إلى تبلور مفهوم (الوحدة العضوية) في القصيدة, ولكنه من ناحية أخرى, فتح الباب أمام أدعياء الشعر ومحدودي الموهبة ليزاحموا المواهب الحقيقية, إضافة إلى أن المبررات التي قامت عليها هذه المدرسة كانت هي المبررات التي قامت عليها فيما بعد (قصيدة النثر) التي أسقطت ما كان قد تبقى من موسيقى في القصيدة العربية بإسقاطها لضابط الإيقاع (الوزن) لتختفي تماماً الحدود الفاصلة بين الشعر والنثر ولتبدأ فتنة (التجريب) في (التخريب).

وعلى كل حال, فقد اعتبر النقاد الشاعرين العراقيين (بدر شاكر الــسياب) و(نازك الملائكة) رائدين لهذه المدرسة, ولم يعتــــبروا تجارب لويس عوض الشعرية سوى مجرد (تمهيد) ساعد على قيام تلك المدرسة, وربما يرجع السبب في ذلك إلى محدودية (شاعرية) لويس عوض التي لم تنتج سوى ديوان (بلوتولاند) ـ والتي يمكن أن نتلمــــسها فـــي هذا النموذج من قصيدته (كيرياليسون) التي يقول فيها:

أبي أبي
أبي أبي
أحزان هذا الكوكب
ناء بها قلبي الصبي
يا منجي
يا منجي
قد طال فيك عجبي

معايير الأدب

أما دعوته إلى أن يكون (الأدب في سبيل الحياة) ـ التي تتناولها وسائل الإعلام الآن بصيغة أخرى هي: الفن للفن.. أم الفن للمجتمع? ـ فإننا نعتبرها دعوة غامضة وغير محددة, لأن (الحياة) مفهوم فضفاض يتسع لكل شيء: الخير والشر, الحب والكره, الجمال والقبح.. لذلك, فإن الأدب لا يمكن له أن يتجاوز إطار الحيـــــاة ولا يمكن له إلا أن يـصورها بكل تناقضاتها, كما أن المعايير المستخدمة في تقييم الأعمال الأدبية يجب ألا تكون (من خارج الأدب) حتى وإن كانت (معايير أخلاقية) أو (اجتماعية) نبيلة, إضافة إلى أن الدعوة (أياً كان مصدرها) هي دعوة غير ملزمة للأدباء. وهو ما دفع عميد الأدب العربي طه حسين إلى كتابة مقال مطول في جريدة (الجمــهورية) بتاريخ 18/12/1953 واصفاً هذه الدعوى بأنها (تدعو إلى أشياء لا تحققها ولا تعرف لها حدوداً). وربما تستطيع هذه الفقرات التي كتبها طه حسين أن تلخص موقفه من هذه القضية.

ـ (... فكل أدب في أي أمة من الأمم إنما هو يصـــور نوعاً من أنواع حيــــــاتها, ولوناً من ألوان شعورها وذوقها وتفكيرها وانعكاس الحياة في نفوسها).

ـ (... إن الأدب ليس وسيلة ولا ينبغي أن يكون وسيلة, والأديب لا ينشئ أدبه لتحقيق هذا الغرض أو ذاك... والأديب لا يستطيع إلا أن يكتب.. كالزهرة التي لا تملك إلا أن تنشر العطر أو النحلة التي لا تسأل لماذا تنتج العسل).

ـ (... وليس معنى هذا أن الأدب بطبعه عقيم. ولكن معناه أن الإصلاح والتغيير وتحسين وترقية شئون الإنسانية أشياء تصدر عن الأدب صدوراً طبيعياً كما يصدر العبير عن الزهرة).

ـ (.. وأنا بعد ذلك لا أرى لأحد كائناً من يكون فرداً أو جماعة أن يكلف الأديب أن يوجه أدبه هذه الوجهة أو تلك. وإنما الأديب حراً, يكتب ما يشاء ويكتب كيف يشاء).

وقد أوضح طه حسين أن هذه الدعوة عندما تأتي في هذا التوقيت تشوبها شبهة (مجاراة الثورة ورجالها) وحذّر من أن ذلك قد يؤدي إلى (تقييد حرية الإبداع) واضعاً في اعتباره ما كان يحدث للمفكرين والأدباء في الاتحاد السوفييتي وأوربا الشرقية باسم (الواقعية الاشتراكية).

وقد انضم إلى لويس عوض ضد طه حسين كل من: د. عبد الحميد يونس, وإسماعيل مظهر (الذي نادي بتجديد الأدب العربي من قبل في مجلة العصور), ود. محمد مندور (الذي ظل يدافع عن لويس عوض طوال حياته), وعبد المنعم مراد (الذي وصف طه حسين بأنه عميد الأدب القديم), وعبد العظيم أنيس (الذي انتقد لويس عوض بشدة فيما بعد). على الرغم من هذا نعتقد أن كلاً منهم كان ينطلق من قاعدة تختلف عن الآخرين, وكان الحماس (وهو وحده لا يكفي) هو القاسم المشترك الأعظم بينهم جميعاً, مما أدى إلى الانحراف بالمناقشات عن (الأدب) إلى مسالك فلسفية وسياسية واجتماعية دون حسم للخلاف (الأدبي).

(الإنجليز يعتقدون أني روسي, والمسلمون أني مجوسي, والسنّة يحسبون أني رافضي, والشيعة يخالون أني نصيبي وبعض الرفاق الأربعة (غالباً يقصد الأئمة الأربعة ل. ع) يعتقدون أني وهابي, وبعض أتباع الأئمة (الاثنى عشرة) يتوهمون أني بابي. المؤمنون بالله يظنون أني مادي, والأتقياء يظنون أني كافر. ولكن لا الكافر يدعوني إليه ولا المسلم يعدني من ذويه. منفي أنا من المسجد ومن المعبد. وهكذا فإني حائر لا أعرف على من أعتمد ولا على من أشهر الحرب. ولو تنصلت من عقـــيدة أقررت الأخرى.

ولو أقررت عقيدة شددت أزر أصحابها على ما يناقضها. ولا سبيل إلى الفرار من قبضة أي فريق, ولا مكان لي في قتال أعدائه. جالس أنا في كابول مكبل اليدين كسيرا أنتظر أن أرى شتاء الغيب فأرى أي قدر خبأه لي دوران هذا الفلك الشرير).

من خلال هذه (المقطوعة الشعرية) التي كتبها جمال الدين الأفغاني بالنثر الفارسي المسجوع, والتي (تصور) إنساناً يعاني (أزمة وجودية حادة), وتلقي ظلالاً من الغموض حول شخصه وانتماءاته, رسمت الأستاذة نيكي كيدي ـ مؤلفة كتاب (السيد جمال الدين الأفغاني) الذي نشرته جامعة كاليفورنيا باللغة الإنجليزية عام 1972م ـ شخصية الأفغاني بحرية شديدة تقترب من (خيال الشعر).

وقد (تورط) الدكتور لويس عوض عندما كتب مجموعة من المقالات بعنوان (الإيراني الغامض في مصر) نشرها علي ثماني عشرة حلقة في مجلة التضامن بلندن ـ بعد أن رفضت جريدة (الأهرام) نشرها ـ متبعاً نهج كيدي دون أن يطلع بنفسه على (الوثائق) الخاصة بالأفغاني مما أوقعه في كثير من (الخلط) وأدى به إلى (استنتاجات) لا أساس لها من الصحة. ومن الطبيعي ألا يكون هذا الأمر مقبولاً في (البحث العلمي), وإلا لكان في استطاعة أي شخص أن يرسم صورة للويس عوض نفسه قريبة الشبه من الصورة التي رسمها هو للأفغاني اعتماداً على ما قاله في مقــــــدمة كتابه (على هامش الغفران).

غفر الله للويس عوض ولنا أجمعين.

 

سمير غريب







 





أحد إصدارات الدكتور لويس عوض