سبتة ومليلة: مغربيتان تحت الاحتلال

سبتة ومليلة: مغربيتان تحت الاحتلال

من المدهش أن آخر بقعتين عالميتين مازالتا تعانيان الاحتلال الأجنبي موجودتان في عالمنا العربي. أولاهما في فلسطين السليبة وثانيتهما على أرض التراب المغربي. أليس هذا أمرا يستحق الرثاء بالنسبة لنا كعرب?

بمقدور القراءة التحليلية لمشاهد عودة مستعمرة هونج كونج, في يونيو 1997, ثم عودة مستعمرة ماكاو, بعد 442 عاما من الاستعمار البرتغالي, إلى الوطن الأم والسيادة الصينية, عشية نهاية الألفية الثانية, أن تؤكد حقيقة أن العالم قد ودّع القرن العشرين بتحقيق أكبر قدر ممكن من الانعتاق والتحرر. بيد أنه من المفارقات الصارخة أن تتواصل بعض الجيوب الاستعمارية, والتي تعد من رواسب التاريخ ومخلفات الحقبة الاستعمارية في الوقت الذي دخل فيه العالم, من جهاته الأربع, القرن الحادي والعشرين, ويكثر الحديث عن إشاعة قيم الحداثة والديمقراطية, والشراكة المتكافئة, في زمن العولمة وانهيار الحدود السياسية, والقرية الكونية الصغيرة, وغيرها من مفردات الخطاب الإعلامي الغربي.

ومن هنا, تتبدى لا معقولية استمرار إسبانيا في احتلال مدن وجزر في قلب الجغرافيا المغربية, وحرمان المغرب من الاستفادة من تنمية مناطقه الشمالية, وفي أراض توجد ضمن الامتداد الطبيعي للمغرب على ساحل البحر المتوسط, لتكون إسبانيا هي الدولة الوحيدة التي تتشبث بمواقع استعمارية في غير قارتها. وبالتداعي المنطقي, بات من الصعوبة بمكان على إسبانيا الاستمرار في التفكير بعقلية ومنطق الجيوب الاستعمارية, والتمادي في إعلان العزم على تأييد هذا الوجود الاستعماري وتكريس احتلالها لمدينتي سبتة ومليلة والجزر الجعفرية وباديس والحسيمة والصخور المواجهة للمدينتين, هذا الوضع الاستعماري الشاذ وتلك الحالة الفريدة والمغايرة لروح العصر, يتناقضان مع الحديث عن مساهمة البلدين في بناء الفضاء الأوربي ـ المتوسطي, الذي يستهدف قيام تعاون حقيقي لإرساء مبادئ الشراكة السياسية والاقتصادية والأمنية والثقافية.

ورغبة في تنشيط الذاكرة القومية العربية, فإننا نفتح بموضوعية هذا الملف الشائك والمسكوت عليه في بعض الأحيان, حفاظاً على مغربية وعروبة وإسلامية هذه الأراضي المحتلة, وتكثيف الضغوط باتجاه تصفية الاستعمار الإسباني لها, وحفظ حقوق المغرب التاريخية المشروعة, غير القابلة للتصرف.

التاريخ وحقائقه

تؤكد حقائق التاريخ ومعطيات الجغرافيا مغربية مدينتي سبتة ومليلة.

فقد انتزع البرتغاليون مدينة سبتة المغربية في سنة 1415م, أي بعد سقوط مملكة غرناطة, وثار نزاع بين المغرب والبرتغال حول ملكية المدينة, استمر حتى سنة 1668م, وهو تاريخ تسليم البرتغاليين لسبتة رسمياً لإسبانيا. وفي 17 سبتمبر 1497, قام أحد النبلاء, وهو الدوق دون خوان, وكان مستقلاً بأمره بفرض سيطرته على مدينة مليلة, ووقع في نوفمبر 1559 اتفاقاً مع الملكة إيزابيل, الكاثوليكية, تعهدت بموجبه بمنحه تعويضاً في مقابل تسليم مليلة إلى التاج الإسباني وبسط نفوذه الاستعماري عليها. وفي تلك الفترة أيضاً, تم احتلال الجزر الجعفرية وباديس والحسيمة والصخور المواجهة لسبتة ومليلة. ويؤكد المؤرخون على حقيقة أنه على الرغم من استمرار الإسبان في احتلال الثغور الشمالية المغربية, فإن إسبانيا لا تملك أبداً ما يبرر سيادتها عليها, فلم يبادر أي ملك مغربي, سواء في المرحلة السعدية أو في العهد العلوي, بتقديم أي تنازل أو اعتراف بملكية إسبانيا للمدينتين. ومع انتشار وسيادة مرحلة الاستقلال الوطني والدخول في مرحلة حاسمة لتصفية الاستعمار التقليدي, خرجت فرنسا من المغرب عام 1956, وتوافق ذلك مع انسحاب القوات والإدارة الإسبانية من المنطقة الشمالية, ومع إلغاء الوضع الدولي لمدينة طنجة. وتعمد الجنرال فرانكو فرض منطق تجزئة ملف النزاع الترابي مع المغرب. فأعاد إقليم ترفاية عام 1958, بعد مفاوضات عسيرة ومعارك خاضها جيش التحرير. وبالطرق الدبلوماسية سلم إقليم سيدي إيفني في يونيو 1969, مقابل اتفاقية الصيد البحري, ومن خلال المواجهة السلمية عبر (المسيرة الخضراء) عام 1975 والتي انتهت إلى إبرام معاهدة مدريد وقضت بانسحاب الإدارة والجيش الإسبانيين من الساقية الحمراء ووادي الذهب. وفي كل مرحلة من هذه المراحل, كانت هناك المساومات والتنازلات.

وتبلغ مساحة مدينة سبتة 19 كيلومترا مربعا, ولا يتجاوز عدد سكانها 70 ألفاً, وتبعد عن أقرب نقطة في أوربا نحو 22 كم وطولها من الشرق إلى الغرب ألفا متر, ومن الشمال إلى الجنوب ألف وخمسمائة متر ولا تبعد عن مدينة تطوان المغربية سوى 40 كم. أما مدينة مليلة, فتبلغ مساحتها 13 كيلومتراً مربعاً ويقطنها قرابة 55 ألفاً من السكان, وتقع شمال شرق المغرب على ساحل البحر المتوسط نفسه, وتبعد عن بلدة الناضور المغربية بعشرة كيلومترات. إضافة إلى صخور غير مسكونة, هي صخرة باديس وصخور النكور والجزر الجعفرية, وجميعها لا تزيد مساحتها على بضع عشرات من الأمتار المربعة. ومجمل هذه الجيوب لا يزيد على 33 كيلومتراً مربعاً, علماً بأن نصف سكان المدينتين من العسكر والموظفين, والباقون تجار هنود ويهود ومغاربة, حيث يبلغ عدد السكان المغاربة حالياً في سبتة ومليلة, 28 ألف نسمة و27 ألف نسمة, على التوالي.

وتطورت الأوضاع القانونية والإدارية للمدينتين: فتارة تعتبران موقعين عسكريين, وتارة تعطى لهما صفة البلدية, واعتبرتا في فترات تابعتين لمدن في الأندلس, ثم تابعتين لمدينة تطوان أيام نظام الحماية. وحتى عام 1994, كانتا تابعتين لوزارتي الداخلية والدفاع رأساً في مدريد.

إسبانيا تحاول الاستيطان

مارست السلطات الإسبانية سلوكيات تنتمي إلى ممارسات الاستعمار الاستيطاني التقليدي في آخر مستعمراتها في شمال إفريقيا, كما هي الحال بالنسبة إلى ما تمارسه إسرائيل, حيث عمدت إلى تغيير الوضعية والتركيبة السكانية بتوالي طرد السكان المغاربة الأصليين, وتوطين سكان إسبان محلهم عبر تدفق هجراتهم من شبه الجزيرة الإيبيرية, وفرض سياسة التهجير القسري بتصعيب ظروف المعيشة والحياة. ولا تستند هذه السياسة إلى أي شرعية قانونية, فهي تعبيرات لاستعمار استيطاني بغيض حيث لا يجوز اعتبار السكان الإسبان سكاناً وطنيين بموجب المادة 73 من ميثاق الأمم المتحدة. إضافة إلى المحاولات الرامية إلى طمس الهوية المغربية والعربية باتجاه (أسبنة) السكان, مثل المماطلة من جانب السلطات الإسبانية في خطة دمج التعليم الإسلامي في مناهج التدريس, في سياق اتخاذ العديد من الإجراءات أحادية الجانب لتغيير معالم سبتة ومليلة, والمضي قدماً في سياسة فرض الأمر الواقع عليهما, بهدف تكريس هذا الوضع الاستعماري الشاذ والحيلولة دون حق المغرب فيه لاستكمال وحدته الترابية.

ومن أبرز التجليات بهذا الشأن, ما حدث في أبريل 1990, عندما قرر الحزب الاشتراكي العمالي الإسباني, تحت ضغوط العناصر اليمينية المتشددة, ولاعتبارات داخلية, منح سبتة ومليلة صيغة الحكم الذاتي, تجسيدا لما نص عليه (ميثاق الاستقلال) من أن هذه المناطق جزء لا يتجزأ من (الوطن الإسباني) وعنصر من عناصر وحدة إسبانيا, وأن حصول سبتة ومليلة على استقلالها الذاتي قصد به تسيير وإدارة مصالحهما!! وفي سياق مسعى مدريد إلى إضافة وإضفاء الشرعية على اغتصابها للمدينتين المغربيتين, وافقت الحكومة الإسبانية, ثم صادق البرلمان الإسباني في فبراير 1995, على مشروع (الحكم الذاتي) والذي لا يتضمن إقامة برلمان مستقل, بل جمعية ومجلس للحكومة ورئيس, كما سيحمل النواب بالجمعية والبالغ عددهم 25 عضواً منتخبين, صفة مستشارين, ويتكون مكتب الجمعية من رئيس المدينة (العمدة) ونائبه وسكرتير يتم تعيينهم من قبل بقية الأعضاء المنتخبين, بما يصب أكثر في اتجاه تطوير نظام البلدية القائم ولا يرقى إلى نظام الحكم الذاتي, أي تلك صيغة أدنى, حيث لا يمنح المدينتين صفة الحكم الذاتي الذي يجعلهما تتصرفان في شئونهما باستقلال شبه تام عن الحكومة المركزية, حيث تم حذف اختصاصات متعددة, كحق التشريع وحق الطعن في القوانين الدستورية, خلافاً لما هو عليه الأمر بالنسبة لكاتالونيا والأندلس وإقليم الباسك.

وبطبيعة الحال, فقد نزع هذا النظام من السكان المغاربة الأصليين أي حق للمشاركة في هذه (الإدارة الذاتية) إلا وفق شروط معينة.

من زاوية أخرى, وإمعانا في فرض مزيد من الحقائق المادية على الأرض, تم إصدار قانون (إقامة الأجانب) في الأراضي الإسبانية والذي صدر لمواجهة تنامي أزمة البطالة في العديد من الدول الأوربية ومن بينها إسبانيا. وطالب هذا القانون الأجانب بالحصول على إذن إقامة كل خمس سنوات, وبما يتيح للحكومة الإسبانية عدم تجديد هذا الإذن عند الضرورة, والتخلص من غير المرغوب في وجودهم. وفعلياً, عمدت السلطات الإسبانية إلى تطبيق القانون على المغاربة في سبتة ومليلة. وانطوى هذا القانون على نصوص باعتقال أي أجنبي لمدة 40 يوماً من دون اتهام أو محاكمة, وعدم تجديد إقامة أي أجنبي إذا رأت السلطات المحلية ذلك, وألزم أي أجنبي بتسوية وضعه القانوني في سبتة ومليلة للحصول على البطاقة التي تسمح له بالإقامة, وضرورة تجديدها خلال مدد منصوص عليها في القانون. ولا يستطيع من يعتبر (أجنبياً) العمل في المناطق التي يطبق فيها هذا القانون ما لم يحصل على هذه البطاقة. وتبيّن أن هذا الشرط لم يطبّق إلا على المغاربة المتزوجين من إسبانيات.

وحقيقة الأمر أن هذا القانون وضع مغاربة سبتة ومليلة بين مطرقة التجنس بالجنسية كشرط رئيسي للتمتع بحق الملكية والعمل, أي فرض الجنسية الإسبانية عليهم, وسندان الاحتفاظ بجنسيتهم المغربية, وبذلك يكونون (أجانب في وطنهم)!! ومن الأهمية بيان (آليات سياسة التهجير القسري, حيث تمارس السلطات الإسبانية أشكالا من التمييز العنصري ضد السكان المغاربة, في موازاة امتيارات خاصة يفيد منها الرعايا الإسبان, سواء على صعيد سياسة العمل والتوطين, أو تزايد أحياء الصفيح وتخوم الفقر الوضيعة في المناطق التي تؤوي السكان المغاربة, وتكثيف الضغوط لحضهم على مغادرة المدينتين. إضافة إلى تردي مستويات التعليم في مدارس المغاربة وعدم تسوية الأوضاع الإدارية لآلاف السكان المقيمين منذ فترات طويلة.

في مواجهة زعم إسبانيا توظيف العامل الزمني, أي ذريعة (حق التقادم المكتسب) والمضي قدماً في تكريس ضم نهائي للمدينتين, وشيوع مقولة أنه لا توجد مشكلة بين المغرب وإسبانيا, وأن سبتة ومليلة شأن داخلي إسباني, ولها تمثيل في البرلمان الإسباني بالمرتبة نفسها التي للأراضي الإسبانية. وسكانهما يتمتعون بحقوق مساوية للآخرين, في وفاق وطني, حكومة ومعارضة, يتمسك بالوضع الراهن للمدينتين, يحرص المغرب على عدم إضفاء أي مشروعية على الاحتلال الإسباني لسبتة ومليلة, بالتأكيد على أنهما جزء لا يتجزأ من ترابه الوطني غير وارد التخلي عنهما, في تناغم وطني واسع, وأن حقوق المغرب لا تسقط بالتقادم ولا تقبل التأجيل إلى ما لا نهاية. ومنذ عام 1960 يقدم المغرب طلباً رسمياً إلى الأمم المتحدة للمطالبة باستعادة المدينتين مفنداً ما تزعمه حكومة مدريد من أنها صاحبة الملكية في المدينتين بموجب النظرية المعروفة (حق التقادم المكتسب) وأن لها حق السيادة في المناطق المتنازع عليها بسبب طول مدة الاحتلال ولأن معظم سكانها حالياً من الإسبان, ولأن هذه (الجيوب) غير مسجلة في الأراضي التي حددتها الأمم المتحدة في قرارها الصادر عام 1947. ورفض المغرب هذه المزاعم لعدم قانونيتها حيث إن الوجود الإسباني في تلك المناطق يعتبر احتلالاً من نوع استعماري محض, قام به البرتغاليون ثم الإسبان, كما أن هذه المناطق تقع بالكامل داخل حدود المملكة المغربية. وفي عام 1975, تقدم المغرب بمذكرة إلى لجنة تصفية الاستعمار التابعة للأمم المتحدة, طالباً فيها إدراج مدينتي سبتة ومليلة ضمن قائمة الأراضي التي يجب تصفية الاستعمار فيها, بينما تقدمت إسبانيا بدورها بمذكرة أخرى أعادت فيها شرح موقفها التاريخي والقانوني بشأن هذه القضية, إلا أن مجلس الأمن طالب الدولتين المعنيتين بتطبيق المادة 82 من ميثاق الأمم المتحدة التي تدعو إلى تسوية الخلافات الثنائية عن طريق الحوار.

العداء الودي

والحقيقة التي لا مراء فيها, ولكون جذور علاقات البلدين متشابكة فإن العلاقة بينهما توصف عادة (بالعداء الودي) فالخلاف حول القضايا الكبرى لم يصل في أي مرحلة إلى قطيعة بين البلدين, وتلك القطيعة غير واردة في جميع الحالات, رغم حالات المدّ والجزر في علاقات البلدين, المحكومة بالتواصل والاستمرارية. وعليه, يحرص المغرب لاعتبارات متعددة, على تغليب منطق الحوار وحسن الجوار وأسلوب التفاوض على كل الأساليب الأخرى. وتجسيداً لذلك, اقترح العاهل المغربي الراحل, الحسن الثاني, في رسالته إلى العاهل الإسباني, الملك خوان كارلوس, في 23 يناير 1987, ولتحديد مفاهيم جديدة للعلاقات الثنائية التي تميزت بعدم الثقة, اقترح تشكيل (خلية تفكير) في مستقبل المدينتين على أساس صون سيادة المغرب وتكريسها مع الحفاظ على المصالح التجارية والاقتصادية الإسبانية, كون المدينتين مركزاً مهماً للتجارة الحرة, وإيجاد صيغة مناسبة تجعل منهما مركزين اقتصاديين وماليين تعود فائدتهما على كل من إسبانيا والمغرب, وإمكانية التفكير في ضرورة التوصل إلى اتفاق يتيح للسكان الإسبان فيهما التمتع بالجنسية المزدوجة بما يتيح لهؤلاء المستوطنين فرص العمل في سائر التراب المغربي.

وعلى الرغم من إبرام معاهدة الصداقة والتعاون وحسن الجوار, بين البلدين, في يوليو 1991, بما يخدم الأمن والاستقرار في منطقة حوض البحر المتوسط وتوقيع العديد من اتفاقات التعاون العسكري والدفاعي والربط القاري عبر مضيق جبل طارق, ومجالات متعددة من التعاون الاقتصادي وضمانات الاستثمار الإسباني, والرغبة في إضفاء طابع مؤسساتي للعلاقات الثنائية, ظلت مشكلة سبتة ومليلة العقدة المعقدة في هذه العلاقات, رغم أن مطالبته المغرب بهما لن تتحول في يوم من الأيام إلى نزاع عسكري مسلح, بل ستبقى سليمة هادئة تندرج فيما هو مطلوب من رعاية حسن الجوار الجغرافي والسياسي والتاريخي. وألقى هذا الملف الشائك والمعقد بظلاله في تطورات وتفاعلات علاقات البلدين: فعمدت إسبانيا, خاصة في مفاوضات اتفاقات الصيد البحري, إلى (أوربة) أزمتها مع المغرب, في الوقت الذي عجزت فيه الرباط عن (تعريب) الأزمة. وفي هذا السياق, وفي يوليو 1995, حدث توتر مهم تمثل في قرار الحكومة الإسبانية إدماج مدينتي سبتة ومليلة ـ وبهدف إضفاء طابع أوربي على مدينتين ليستا كذلك ـ في المدار الأوربي, وسريان اتفاق (شينجن) لتنقل الأشخاص والممتلكات في أوربا لمراقبة الحدود.

ومن اللافت للانتباه, تلك الازدواجية في الخطاب والموقف الإسباني: ففي الوقت الذي تتوالى فيه احتجاجات مدريد على استمرار الوجود البريطاني في صخرة جبل طارق ـ وهي مستعمرة بريطانية دائمة منذ معاهدة (أودريخت) الموقعة عام 1704, والواقفة عند الطرف الجنوبي لشبه الجزيرة الإيبيرية ولا تتعدى مساحتها 7 كيلومترات مربعة ومواردها تعتمد بالأساس على المساعدات البريطانية ـ تتحدث إسبانيا عن أن هذه المشكلة من (رواسب التاريخ) ودعت بريطانيا لاستعمال مخيلتها لتجاوز المشكلة!! رغم أنه جرى في عام 1969 استفتاء بمعرفة بريطانيا وأعلنت أن نتيجته عدم رغبة سكان جبل طارق العودة إلى إسبانيا. والمفارقة أن إسبانيا تسوق لغرض استعادة جبل طارق الحجج والأسانيد نفسها التي تنكرها على المغرب في مطالبته باسترجاع مدينتي سبتة ومليلة. وأعلن المغرب مراراً مساندته ودعمه إسبانيا في المطالبة بعودة جبل طارق إلى السيادة الإسبانية, بيد أن إسبانيا تتواصل في ممارسة سلوكيات استفزازية للمغرب, مثل استقبالها لبعض قيادات جبهة البوليساريو, لما يعنيه ذلك من تأثير على تطورات قضية الصحراء الغربية ومساعي الإعداد لاستفتاء تقرير المصير. ناهيك عن تعمد إسبانيا التصريح في مطلع يناير 1998 لجهة إدماج سبتة ومليلة وجبل طارق وجزر لاس بالماس في الفضاء العسكري للحلف الأطلسي.

زيادة العزلة

وقد بلغ الاستفزاز ذروته منذ منتصف عام 1998 عندما عمدت السلطات الإسبانية إلى تطوير معابر مدينتي سبتة ومليلة, عبر إقامة حاجز مزدوج, كحزام أمني يطوق المدينتين بدعوى منع الهجرة غير المشروعة, يبلغ ارتفاعه أربعة أمتار من الأسلاك الشائكة وأجهزة الإنذار والرقابة الإلكترونية, لمسافة ثمانية كيلومترات, على طول المدار الحدودي واعتماد نظام البطاقة الخاصة بالدخول والخروج, إضافة إلى تعزيز وتكثيف وجود الجيش الإسباني والتزود بأنواع متطورة من الدبابات والأسلحة الهجومية بما يفوق متطلبات مواجهة تسلل المهاجرين غير الشرعيين وكذلك إخماد مظاهر الاحتجاجات التي يلجأ إليها رعايا مغربيون وأفارقة ضد تردي أوضاعهم لحض السلطات على ترحيلهم إلى إسبانيا. واعتبر المغرب هذا التصرف الأحادي الجانب منافيا للحقائق التاريخية, عدا كونه يستبق المبادرات السياسية الراهنة للبحث عن حل سلمي لمستقبل المدينتين. إضافة أيضاً إلى الإضرار بأعداد كبيرة من السكان الذين يعيشون خارجهما ويرتبطون بعلاقات قرابة ومصاهرة ومصالح اقتصادية وتجارية داخلهما كما ارتبطت مصالح سكان شمال المغرب, ومنذ سنوات طويلة بإسبانيا, سواء كانت هذه المصالح اقتصادية أو ثقافية أو اجتماعية. والحقيقة أن وقف تدفق الهجرة غير المشروعة رهن إحداث تنمية حقيقية, وهو ما يدركه المغرب من تطوير مناطقه الشمالية وإيجاد زراعات بديلة ووقف عمليات التهريب, وهو ما يستوجب الدعم الأوربي.

والثابت, أن المغرب في حال إنهاء نزاع الصحراء الغربية سيجد نفسه حتماً وبقوة, أمام ملف سبتة ومليلة وانعكاساته على تعكير صفو العلاقات الثنائية, حيث لا يعترف المغرب بما فعلته إسبانيا, وأن ملف وحدة البلاد سيظل مفتوحاً ما دامت هناك ثغور مغربية محتلة, يتوجب تحريرها.

وفي التحليل الأخير, فإن التعاطي بروح العصر يفند حقيقة الأهمية الاستراتيجية للمدينتين في منطقة البحر المتوسط, في زمن العولمة, فالاعتبار أن الاستراتيجية القديمة لم تعد مطروحة الآن, إضافة إلى اندماج إسبانيا في الاقتصاد الأوربي يجعلها في غنى عن منفذ تجاري كانت تستخدمه للتجارة الحرة, كما الحال في سبتة ومليلة. ناهيك عن أن التزام المغرب محاربة زراعة المخدرات والاتجار فيها ومكافحة التهريب يفرض بالضرورة مراقبة كل الموانئ البحرية للبلاد وفق مقدمتها منفذ المدينتين. والخلاصة أن منطق العصر وحق تقرير المصير وتحولات المناخ الإقليمي والدولي تحتم على جارة المغرب الإيبيرية الإسراع في فتح وحل ملف سبتة ومليلة بدلاً من الإمعان في سياسة فرض الأمر الواقع. ولا بد لإسبانيا من مسايرة التوجهات الرامية إلى تحرير كل المستعمرات والتي تعد من رواسب حقبة استعمارية ومن مخلفات تاريخ بغيض. فهل يمكن لإسبانيا الإذعان لحقائق العصر والمنطق أم تتواصل في استعمارها للمدينتين وتحمل وصمة عار استعمار استيطاني يكاد يختفي من اليابسة. وفي زمن التشدق بالحديث عن العولمة وتداعياتها وتفاعلاتها? سؤال إجابته في رحم التطورات المستقبلية.

 

السيد عوض عثمان