اللوحة المسرح

اللوحة المسرح

عندما تسربت إلى الفنون العربية وسائل الإبداع وأساليبه الحديثة بعد أن وضعت الحرب العالمية الثانية أوزارها وأعيد توزيع مناطق النفوذ في العالم, لم تكن الثقافة العربية آنذاك قادرة على استيعاب وهضم هدية بمثل هذا الحجم, ففي مجال الفنون البصرية لم نكن نملك أكثر من بقايا فنون تطبيقية تخضع بشدة لقوانين الذوق العام وشروط الاستهلاك الشعبي, فالعرب لم يطوروا فنونهم البصرية بشكل طبيعي سواء بالبناء على الأسس التي خلفتها الحضارات القديمة التي سادت في المنطقة أو بالتواصل مع الحضارات الأخرى, وهم حين استوردوا وسائل الإبداع الحديثة, استوردوها حسب مفاهيم ورؤى مستوردة هي الأخرى, وعندما تنبهوا لاحقاً إلى أهمية العوامل الذاتية في تشكيل ثقافة الأمم, كان ذلك بدافع سياسي أكثر مما دفعت إليه شروط الإبداع, فطبخت على عجل قيم ومفاهيم عامة تعنى بالمظهر أكثر مما تهتم بالعناصر الجوهرية المكونة والمؤثرة في الابداع نظرياً وتطبيقياً, لينشغل الفنان العربي بعد ذلك بمقولات ذهنية ولغوية بحتة. وفي مناخ ملتبس مثل هذا بات من الصعب وضع الفنون البصرية في مجالها الثقافي العام, واختصرت تجارب هائلة لأمم أخرى في مصطلحات وجمل مبتسرة, وفي خلط مدهش للمسميات ومصادرها وضعت القواعد التي رسمت بموجبها خارطة الفنون البصرية الحديثة في الوطن العربي.

وانعكس هذا الالتباس على فهمنا لأعمال الفنان ناجي العلي على الرغم من وضوحها الشديد, فالكاريكاتيـر - وهـو فـن هجين ولـد مـن لقاء الفن التشكيلي بالاعلام وجمـع بين مقوماتهمـا وصفاتهما - ورث عن الفن التشكيلي سوء الفــهم الذي أحاط به, كما خضع لمتطلبات الاعلام وقوانينه, وساعدت النشأة الحديثة لفن الكاريكاتير وارتباطه المباشر بالصحافة على جعله تابعاً طيعاً لها.

في الغرب ورث الكاريكاتير من الاتجاه الواقعي النقدي تقاليده العريقة, التصوير الواقعي مع ميل إلى المبالغة في التركيز على العناصر المتصلة بالفكرة أو المضمون وتطويرها أو تحويرها لدفع هذه الفكرة إلى الواجهة, وباعتباره فناً اجتماعياً ينحاز بشكل معلن إلى طبقة معينة من المجتمع, خضع لقيم وأعراف هذه الطبقة وذوقها العام. كما ورث عن فنون الطباعة الجرافيكية تقاليدها العملية, إذ لجأ الفنان الواقعي إلى العمل الجرافيكي لنشر أعماله بحكم اتفاق الغاية والوسيلة أولاً, إذ لم تكن قد تطورت بعد وسائل الطباعة, إلا أنه استفاد لاحقاً من الأثر البصري والنفسي لتقاليد الطباعة الجرافيكية العريقة, قد يصعب استيعاب هذه المؤثرات في تجربة تفتقد العمق التاريخي والتجريب المتصل كما يحصل في الفنون العربية, إلا أننا نجدها واضحة في التخطيطات التي أنجزها فان جوخ (1853-1890) في لندن عن عمال الدوكلاند حيث نجد فيها بوضوح أثراً من رامبرانت (1606-1669) أو جويا (1746-1828).

وعلى خلفية بصرية تاريخية مثل هذه, وفي خضم الثورات الكبرى في أوربا في منتصف القرن التاسع عشر, ولد الكاريكاتير صحيحاً معافى يجمع بين الفكرة أو القصد التوجيهي والتعبوي ومواصفات العمل الفني البصري, فيجد المتلقي فيه المقابل البصري للمضامين الفكرية, في الوقت الذي نقف نحن فيه عند حدود الفكرة المباشرة, معتبرين الجوانب البصرية ترفاً ومحض لهو.

بدأ اهتمام الفنان ناجي العلي بالمسرح في وقت مبكر, وانعكس اهتمامه هذا على الرسم في أعماله الأولى, فنجده ينصرف عما تعارف عليه رسامو الكاريكاتير العرب من المبالغة في تحوير الأشكال, والاكتفاء بأشكال عابرة تتناسب مع الموضوع الآني ليكون الرسم وسيلة لنقل فكرة أو تعليق فقط. فقد انصرف الفنان ناجي العلي بأناة وصبر لتهيئة عناصر أعماله لتقوم بأدوار ومهمات عدة ورسم لكل شخصية دورها الواضح, كما أعد مسرحه بعناية ليستوعب الأحداث التي رصدها في وقت مبكر, ففي هذا المسرح - اللوحة الذي اعد لصراع عنيف بين الخير والشر, حرص الفنان على تحديد ملامح الطرفين بشكل لا يقبل الشك, فهم صرحاء في إعلان انتمائهم السياسي والاجتماعي وتكوينهم الروحي والثقافي بسلوكهم وبهيئتهم, فهو عندما يرسم المتخاذلين والمنتفعين من قضية فلسطين يترك خطوطه تنساب باهمال مقصود من دون اعتناء أو اكتراث لتشكل ما يشبه الورم السرطاني, وباستهانة تنم عن قرف واضح, يتحول تلقائياً إلى دلالة لا يحتاج معها إلى أن يعرّف بهم, وهو بذلك يحقق أبعد مقاصد الفنون التعبيرية والرمزية.

وتعمد الفنان ناجي العلي العزوف عن التصوير التوضيحي, محاذراً السقوط في فخ الابتذال البصري, فلا يهتم بتفاصيل زائدة ولا تستدرجه حرفة الرسم والتزويق, خطوطه خشنة محفورة بشدة على ورق ثقيل خشن يرسم عائلته الطيبة, المحاربين والفقراء, فاطمة وحنظلة, حيث تجتمع بلقاء غريب خشونة خطوطه هذه مع عذوبة الهيئة العامة لهؤلاء ونقاوة ملامحهم, ليكشف بوضوح عن محبته وانتمائه لهم ولينقل أيضاً احساسه هذا مباشرة إلى المتلقي من دون شرح أو تفسير.

في أعمال الفنان ناجي العلي, نجد المفارقة الذكية, عميقة ولماحة, ساخرة ومرّة, عنيفة ومسالمة في تضاد غريب ومدهش, تماماً مثل الدهشة التي يخلفها التضاد الحاد بين خطوطه السوداء المتشابكة وسطح الورق الأبيض بعد أن تخلص من التدرجات الفاصلة بينهما, وهو وإن وجد تبريره السياسي لهذا كله بعد تجربة اجتياح بيروت المريرة, إلا أنه يدفعنا للوقوف طويلاً أمام النتائج البصرية المتقدمة التي توصل إليها, حيث تنقل بفطنة وعفوية بين التصوير والتوضيح والايحاء والرمز والتعبير, على رغم سطوة أفكاره الحادة العنيفة, وشحة أدواته وبساطتها.

 

هاني مظهر







مهداة من الفنان هاني مظهر