علم الآثار الفلسطيني في يد الباحثين الغربيين والإسرائيليين

علم الآثار الفلسطيني في يد الباحثين الغربيين والإسرائيليين

حظيت أرض فلسطين بكم من الدراسات والأبحاث التاريخية والأثرية في القرنين التاسع عشر والعشرين, يفوق التصور بحجمه وتنوع مرجعياته وأهدافه وتعدد مناهجه وطرائقه.

لا يسع الباحث في تاريخ الفنون التي تعاقبت على أرض فلسطين إلا أن يكتفي بالدراسات العلمية الموضوعية لإضاءة المفاصل الرئيسية من المراحل الحضارية التي تعاقبت على هذه الأرض, نظراً للصراع السياسي - الاقتصادي المقنع بأهداف دينية - روحية, الذي يخوضه الغرب لاحتلال فلسطين منذ الحروب الصليبية حتى اليوم.

إن اهتمام المؤرخين الغربيين بفلسطين ارتبط بداية, بما جاء في التوراة, حيث نرى مدونات المؤرخين اليونانيين والرومانيين الذين زاروا فلسطين منذ زيارة هيرودوت وقادة جيش الإسكندر المقدوني ثم يوليبيوس, وسترابو, وديودورس الصقلي وبليني وناسيتوس ويوسيفوس. حيث تنتهي هذه المرحلة الوثنية بظهور المسيحية والاعتراف بها, وبداية عصر الحج إلى الأراضي المقدسة في القرن الرابع الميلادي. فكان الحجاج يمرون بالأماكن المقدسة التي ارتبطت بأحداث الإنجيل وحياة وآلام السيد المسيح وتلامذته (من أبرز الحجاج الذين كتبوا عن تاريخ هذه المرحلة يوسيبوس أسقف قيسارية, وجيروم الذي ترجم أعماله من اليونانية إلى اللاتينية).

كانت الحروب الصليبية وما رافقها من تدوين ووصف لحالة فلسطين, قد أفسحت في المجال أمام تجسد الاهتمام التاريخي بأحداث الإنجيل والتوراة في فنون عصر النهضة الأوربية خصوصاً فن التصوير الجداري والنحت في الكنائس والأديرة والقصور.

غير أن الطفرة النوعية التي شهدتها الدراسات التاريخية والأثرية والفنية عن فلسطين, ارتبطت بمرحلة ما بعد حملة بونابرت على مصر وبلاد الشام.

فقد احتاجت أوربا إلى خمسة قرون ما بين خروج آخر جندي صليبي من فلسطين عام 1298, وقدوم بونابرت بحملة استعمارية منظمة معرفياً بفريق من العلماء والمستشرقين والمؤرخين عام 1798, وعلى الرغم من فشل الحملة عسكرياً, كي تؤسس لاستعمار ثقافي - اقتصادي توغل معرفياً في فلسطين طيلة القرن التاسع عشر, ليُحكم السيطرة السياسية والعسكرية الغربية بإقامة دولة إسرائيل عام 1948, المستعمرة والكيان الاستيطاني الذي يخترق وحدة العالم العربي الجغرافية والتاريخية.

إن التحالف المعرفي والأوربي - الأمريكي في الدراسات الاستشراقية الفلسطينية بلور الاستشراق الفلسطيني بوصفه جزءا من عملية الاستطلاع الاستكشافي الواسع لحضارة مصر وبلاد ما بين النهرين وآثار اليونان والرومان في سوريا ولبنان وفلسطين وشمال إفريقيا وشبه الجزيرة العربية فضلاً عن الشرق الأقصى (الهند, الصين واليابان), وما حصل من تركيز للضوء على بقعة فلسطين في عمليات المسح الأثري في السنوات المائة والخمسين الأخيرة التي سبقت اغتصاب الصهيونية لفلسطين, أدى إلى ظهور دراسات كتبها الرحّالة وعلماء الآثار والفنانون والقناصل والأدباء, يفوق تعدادها إمكان حصرها وتبويبها, لكن من اليسير حصرها في المؤلفات والجمعيات والمؤسسات الأساسية الغربية لبيان أهدافها وتوضيح الصلة بينها وبين ما آلت إليه الصورة والوضع الحالي للشعب العربي الفلسطيني.

في هذه الفترة من عمر الاستشراقية الفلسطيني تزامنت فيها الدراسات الاسشتراقية الفرنسية والبريطانية والأمريكية والروسية والألمانية, وتباينت فيها الأهداف العلمية والاستعمارية والاستثمارية بدوافع فردية وجماعية واكبت نشاطها وموّلته ونظمته في أغلب الأحيان مؤسسات أجنبية ذات طابع البحث الديني والأثري والاستكشافي والتربوي والصحي - الطبي والاستعماري الاستيطاني. فقد زار فلسطين في الفترة الواقعة ما بين حملة بونابرت (1798) وحملة إبراهيم باشا المصري (1831) على فلسطين, عدد كبير من الباحثين والمستشرقين والفنانين الذين رسموا الصورة الطبيعية والاثنية والأثرية والنبات والصخور ووضعوا الخرائط المفصلة لفلسطين. وأبرز من زارها في تلك الفترة ويليم ويتمان, سيلزبوري, وليم كوبر.أ.كلارك, شاتوبريان, بوركهاردت, الذي مولت رحلته (الجمعية البريطانية لاستكشاف قلب إفريقيا), ونشأت جمعية لندن لنشر المسيحية بين اليهود عام 1809 ومقرها لندن, كما زار الكونت دي فوربان فلسطين عام 1817-1818 ووضع رسوم المواقع الأثرية والكنائس والمساجد فيها, تلاه أدريان دوزا الذي استكشف معالم أثرية فيها عام 1830 (رسم سور عكا, قبر المسيح, برج داود, باب العمود, بركة سليمان, مدخل قبور الملوك, بيت لحم, أبنية غزة, داخل كنيسة البشارة في الناصرة, خان جب يوسف في الجليل الأعلى, بقايا معبد ومسرح روماني في عمان, الحراس البدو في سيناء, ويافا من البحر), ومول رحلته البارون تايلور.

وقد صوّر فلسطين ومعالمها الأثرية أيضاً الفنان البريطاني روبرتس عام 1838 (مول رحلته ناشر إنجليزي) وأقام لمدة سنة في فلسطين ينجز لوحاته على الطبيعة مباشرة. وأنجز ليون دي لابورد صور كتابه (رحلة من البتراء إلى سيناء) عام 1830, أظهر فيها آثار وتخطيطات وخرائط للبتراء وفلسطين. ثم جاء بارتليه ودايفيد ويلكي عام 1841 وهوراس فيرنيه, وقد تناولوا في لوحاتهم المواقع التاريخية والفنية المرتبطة بأحداث التوراة والإنجيل في فلسطين.

بعثة ويلسون

قامت هذه البعثة بالمسح الأثري في بيروت وبعلبك ودمشق حيث سمحت لها الإدارة العثمانية بعمل رسوم ومخططات للمسجد الأموي في دمشق. ثم انتقلت إلى فلسطين عام 1866 للقيام بحفريات كنيسة بيزنطية في جبل حرزيم قرب نابلس. وقد وضعت هذه البعثة خمسين خارطة مع رسوم تفصيلية للكنائس والمساجد والمعابد والأضرحة مع 166 صورة للمواقع الأثرية في بيسان وقيسارية ومراكز السامريين وكنيسة جوستنياوس المدمرة وكنائس قديمة في يارون وتبنيت والبيرة واللد وبيت جبرين وقرية العنب (أبو غوش) والقدس. وقد صدر كتاب ويلسون بعدها باسم (صورة فلسطين) في 4 مجلدات تتضمن صوراً محفورة على الفولاذ والخشب تظهر المواقع الأثرية الفلسطينية برمتها.

حفريات فلندز بتري

ويعتبر بتري (1890 - 1914) مؤسس علم الآثار الفلسطيني ارتبطت باسمه الحفريات في تل العمارنة في مصر وعمليات البحث عن آثار أخناتون وهو مؤسس المدرسة الأمريكية للآثار.

وقد شهدت هذه الحفرية أسلوباً علمياً مطّرداً في فلسطين ويعود الفضل بالحس العلمي للعالم الأثري بتري في حفرية تل الحسي, وقد موّل حفرياته أيضاً صندوق الاستكشاف الفلسطيني, حيث توصل عبر دراسة الفخار إلى التسلسل الزمني لتاريخ الفن الفلسطيني والتراتبية الحضارية.

كما أضاف كل من فردريك بلس وأولبرايت التحديدات الدقيقة للتسلسل الزمني الذي وضعه بتري, وقد أوضح بلس وحدة الأصل الثقافي الفلسطيني المستندة إلى الحضارة الكنعانية كأساس للجذور العميقة للديانات اليهودية والمسيحية والإسلامية.

وفي عام 1882بدأت الجمعية الروسية - الفلسطينية (PMO) بتنظيم رحلات للتنقيب عن الآثار وارتبطت بها جهود أسماء كبيرة من العلماء والمستشرقين الروس أمثال: ن, ميدنيكوف, كراتشكوفسكي, كونكتسف, مار, أوسبنسكي. ن.ب وكونداكوف الذي ترأس عام 1891 أول رحلة للتنقيب عن الآثار في فلسطين.

وصدر عام 1903 كتاب (فلسطين من الفتح العربي حتى الحروب الصليبية) للعالم الروسي ميدنيكوف يثبت فيه آثار وحضارة فلسطين العربية والإسلامية.

وما لبث أن تطور علم الآثار الفلسطيني باتجاه الموضوعية والعلمية في الفترة الواقعة ما بين العشرينيات والسبعينيات من القرن العشرين متخطياً الاتجاه التوراتي الأحادي التوجه الذي صب في خدمة إنشاء الكيان الصهيوني, وكان للعديد من العلماء والباحثين الفضل في التوجه العلمي القائم على التسلسل التاريخي المنهجي في قراءة الوجه الحضاري الفلسطيني. وقد شكلت أبحاث كل من كراتشكوفسكي, ميدنيكوف, مار, كينك فيمان (تاريخ الفنون في العصر الوسيط) ودي مورغان, هارستنج د. هارود, رنبديل, ج. كونتنو.غ تشايلد, أ. أولبرايت, ك. كينون, شكلت إضاءة لتاريخ فلسطين القديم وحددت تراتبية مراحله وعصوره, ووضعت تصورات علمية للنتاج الروحي والمادي لسكانها بإبراز مجموعة من آثار فلسطين المميزة لكل حقبة من أحقاب تطور المجتمع الفلسطيني.

المساعي الصهيونية

معلوم أن التوغل الصهيوني في المؤسسات العلمية الأوربية والأمريكية التي تعنى بعلم الآثار وتاريخ الفنون في فلسطين حاول دائماً طمس المنحى العلمي والموضوعي في التنقيبات والأبحاث التي تصدر عنها. ومعلوم أيضاً أن هناك جيشاً من الأثريين الإسرائيليين الذين يعملون في فلسطين منذ بداية القرن التاسع عشر, وقد صاحبوا تطور كل العمليات التنقيبية في فلسطين وساهموا إلى حد كبير في إقناع الإنجليز والأمريكيين بضرورة قيام كيان إسرائيلي مستند إلى الوثائق التوراتية المرتبطة بالمواقع التاريخية في أرض فلسطين.

فقد تزامن نشاط الاستشراق الإسرائيلي - الصهيوني في دراسة فلسطين وتاريخ فنونها, مع نشاط البعثات الأوربية, الأمريكية وبالتعاون معها, لكنه اتخذ منحى أكثر تركيزاً على (حق شعب الله المختار, أي اليهود, بأرض فلسطين التاريخية) وأهم علماء الآثار والمستشرقين الصهاينة ما بين عامي 1870-1948 (فترة قيام المستوطنات الصهيونية في فلسطين) هم: باكوف رابينوفيتش (1875-1948) إسرائيل زارحي (1909-1942) ناحوم ياروشاليمي (1890-1961) إيسيسيغ سيلبير شلاج - موشي ستافسكي (1884-1969), موشيه سيملانسكي (1874-1953) يتسحاق شامي (1889-1949), موشيه ماعوز - نورمان بينتويش (المدعي العام لفلسطين في عهد الانتداب البريطاني) وصاحب كتاب (فلسطين اليهود), فقد أسس قدوم هؤلاء المستشرقين إلى إسرائيل, قيام شبكة متاحف ومكتبات وعمليات تنقيب عن الآثار تفوق بحجمها وإمكاناتها المادية والعلمية كل ما هو مجتمع من مؤسسات ومتاحف في العالم العربي, ناهيك عن الإصدارات والدوريات والأدبيات التي تصدر من إسرائيل بالعبرية والإنجليزية والفرنسية.

إن الصراع العربي - الإسرائيلي على حق الوجود في فلسطين, والانحياز الأوربي - الأمريكي لدولة إسرائيل يتبلور في الصراع على كتابة التاريخ ودراسة علم الآثار ومنهجية تاريخ الحضارات الفنية الفلسطينية, حيث يحاول الأثريون الصهاينة في إسرائيل ومؤسسات الغرب العلمية - الأثرية التركيز على حق الوجود التوراتي في المعالم الأثرية الفلسطينية, وعلى الرغم من كل التحالف المعرفي الغربي - الإسرائيلي لتثبيت الكيان الإسرائيلي في فلسطين بعد زرعه عام 1948, غير أن النبرة العلمية, الموضوعية سادت أدبيات تاريخ الفن الفلسطيني بحيث أفصحت عن التراتبية التاريخية الموضوعية التي تثبت حق الشعب العربي الفلسطيني في تاريخ فلسطين, وهي تقرأ اليوم وفق منهجية المقارنة الحضارية لفنون فلسطين ووفق سياق تسلسلها منذ العصر البوليوليتي أي منذ 250 ألف سنة ق.م. حتى يومنا هذا.

وحدة التاريخ الفلسطيني

العصر البوليوليتي: رافق النتاج الفلسطيني فيه أولى مراحل ظهور الإنسان على أرض فلسطين في منطقة بحيرة طبريا. تمثلت في أشكال النحت الصخري في الكهوف والمغاور (صور رسوم الثيران, الجمال, الماعز على الصخور) وهي تمتلك ذات المواصفات الفنية المشتركة مع تلك الرسوم الصخرية الموجودة في شمال إفريقيا (خصوصا الصخور في الصحراء الكبرى).

العصر النيوليتي: يمتد ما بين الألف الثامن والألف الخامس ق.م وقد وجدت آثار تدل على هذه المرحلة في منطقة أريحا القديمة تبلغ مساحتها نحو عشرة هكتارات تم العثور فيها أثناء عمليات التنقيب على تماثيل شخصية ورءوس خزفية ذات عيون مصنوعة من الصدف في مجمعات سكنية بنت بيوتها من الآجر الخام ومن بلاط مطلي بالصلصال.

العصر الأنيوليتي: الألف الرابع ق.م.: تميز باستيطانات جديدة للمناطق المحاذية لشاطئ البحر المتوسط كرأس شمرا وغيرها. وقد شهدت هذه المرحلة تطوراً في حياة سكان فلسطين القدماء وموارد عيشهم, حيث تم الانتقال من الصيد وجني النباتات البرية الفصلي, إلى الزراعة, والرعي بالقرب من الأنهار وتطور منظومة الري. وعرفوا صناعة الدهان والصناعات اليدوية والحرفية (من النقش على الحجارة, العاج, الفخار, النسيج, الحياكة) وقد عثر أثناء حفريات تلال عسول على نماذج من الزخرفة على الجدران تمثل صوراً بشرية وطيوراً, وعلى فخاريات مزينة برسوم هندسية بألوان حمراء وبنية. وكذلك عثر على بعض المنحوتات الصلصالية وأدوات الزينة بزخارف تقلد الأسلوب المصري (سلاسل ذهبية تصور آلهة الخصب).

في النصف الأول من القرن الثالث برزت تقسيمات جديدة للعمل, ونشوء فئة اجتماعية معينة, حتمت الصراعات والصدامات والحروب, مما أدى إلى ضرورة ظهور تحصينات في المدن والقرى. وقد عثر على مثل هذه الحصون في مناطق القدس, هيبون, أريحا, مجدو وغيرها, يتخللها نظام الأبراج والأسوار الدفاعية والانفاق العميقة. وازدهرت صناعة الآنية الفخارية المزينة بالرسوم والكتابات المصرية في تلال عسول كتب عليها (أرض كنعان) نسبة إلى الكنعانيين.

أولى موجات القبائل السامية ظهرت في فلسطين (أواسط الألف الرابع زاحفة من شبه الجزيرة العربية أعقبها ظهور قبائل الآراميين (تخوم القرنين الثاني عشر والحادي عشر) التي انتشرت في منطقة الشرق الأوسط ووصلت بابل وآشور وشمال بلاد ما بين النهرين.

وقد أشار المؤرخ برستد إلى أن الكنعانيين عرفوا ظروفاً سكنية متطورة تدل على مستوى من الحضارة. وهم أول من بدأ تنظيم الدولة, المدينة, وكانت لهم لغتهم المكتوبة وديانتهم الخاصة. حيث كان لكل مدينة آلهة خاصة بها يرمز إليها.

أهم هذه الآلهة: بعل, دجون, عنات, ولكل من هذه الآلهة وظيفة بجسدها على الأرض. إن تخصص وطائفية الآلهة وتكريسها عزز موقع الآلهة في العبادة كما أسس للنزوع نحو التوحيد (أي عبادة الإله الواحد) وهي الخاصية المميزة للديانات السماوية اليهودية والمسيحية والإسلام.

الإله دجون: يجسد البحر ويحمي الصيادين.

الإله بعل: يرمز إلى القوى الطبيعية ويحمي المزارعين.

الإلهة عنات: آلهة الخصب الأرضي والحب وهي تتماثل في وظيفتها مع عشتار آلهة الأكاديين وعشتروت آلهة الفينيقيين.

مع نهاية الألف الثاني ظهرت القبائل الخبرية السامية, والتي انطلقت منها القومية اليهودية القديمة في المنطقة الواقعة ما بين طبريا والبحر الميت, تمكنت هذه القبائل من التغلب على السكان الأصليين وإقامة المملكة الإسرائيلية عام 1025ق.م. التي عمرت نحو 72 عاماً فقط. فملوكها شاوول, داود, سليمان, طمحوا إلى إنشاء دولة مركزية قوية. ولكن بعد موت الملك سليمان انقسمت المملكة إلى جزأين: المملكة الإسرائيلية في الشمال واليهودية في الجنوب تركت كل منهما آثاراً معمارية نذكر منها: بقايا قصر الملك أصاف في الضفة الغربية لنهر الأردن بأسلوب معماري خاص تزيّنه نقوش محفورة على واجهته ومطعمة بالعاج, وتمثل صور مخلوقات خرافية, أما الفنون اليدوية فتعكس تأثير الفنين البابلي والمصري (أقراص الشمس المجنحة أبو الهول, زهرة اللوتس).

تم القضاء على دولة إسرائيل من قبل الآشوريين عام 722 ق.م. وأخذ معظم سكانها أسرى إلى آشور في عام 586 ق.م. قام نبوخذنصر ملك البابليين باحتلال الدولة اليهودية وتدمير مدينة القدس, وقد تم تهجير اليهود إلى بابل وهرب قسم منهم إلى مصر.

في عام 539 ق.م. ضم الملك الفارسي قوروش فلسطين إلى مملكته.

وقد وقعت فلسطين تحت تأثير ثقافات عدة أهمها اليونانية بعناصرها الهيلينية بعد احتلال الإسكندر المقدوني لها عام 332 ق.م.

اندمجت العناصر الهيلينية بالتراث الثقافي الفلسطيني فأعملت أسلوباً مميزاً أطلق عليه اسم (الأسلوب الهيليني السوري) في فنون العمارة والنحت في العصر الروماني (37 ق.م. -324 م.) دخلت فلسطين في دائرة السلطة والثقافة الرومانية, ومن أهم آثار الحقبة اليونانية, الرومانية المسرح الروماني في بيت شين, وبقايا السلم المؤدي إلى معبد أغسطس في الضفة الغربية.

سجلت هذه المرحلة ثلاث انتفاضات للشعب اليهودي ضد المقدونيين والرومان. وقد تم عام 137 القضاء على انتفاضة بار - كوهبي وجرى تشتيت اليهود في مصر وإيران وشبه الجزيرة العربية وآسيا الوسطى حتى حدود نهر الرين. عندها أقفرت أرض فلسطين لفترة طويلة وسكنتها قبائل عربية بعد مدة.

بعد الاعتراف بالدين المسيحي ديناً رسمياً للإمبراطورية الرومانية (بناء على صك ميلانو عام 313) كانت فلسطين تابعة لممتلكاتها. ومن ثم انتقلت إلى ممتلكات الدولة البيزنطية عام 324م. وقد عرفت ازدهاراً كبيراً في فن العمارة المسيحية البيزنطية (بناء الكنائس والأديرة البازيليك) وغدت مدينة القدس مدينة مقدسة يؤمها الحجاج المسيحيون من كل صوب وقد شملها الإمبراطور قسطنطين العظيم ووالدته هيلانة التي ساهمت ببناء عدة كنائس أهمها كنيسة القيامة وكنيسة المهد في بيت لحم, ونذكر أهم الكنائس التي بنيت في هذه الحقبة كنيسة عين الحنية (قرب بيت صفار) كنيسة خربة اسيد (قرب بيت اوما), كنيسة تل حسان (بالقرب من أريحا) وقد تميزت العمارة البيزنطية في فلسطين بالفسيفساء التي تزين الجدران وأرض الأبنية الدينية والمدنية مع بقاء بعض الرموز والصور الوثنية المحلية فيها.

الفتح الإسلامي

مع الفتح الإسلامي عام 637 لسوريا ومصر وإيران, توصل بطريرك القدس إلى اتفاق مع خليفة المسلمين عمر بن الخطاب حول تسليم القدس مقابل حماية المنشآت المقدسة بها.

أنشأ المسلمون في منطقة فلسطين العديد من المساجد والقصور, أهمها المسجد الأقصى المثمن الأضلاع (يعود بناؤه إلى القرن السابع الميلادي) وقبته الشهيرة القائمة على اثني عشر عموداً وزين جدرانه من الداخل بالفسيفساء والزخرفة والحروفية الإسلامية. ومسجد قبة الصخرة وقصر خربة المفجر (قرب أريحا) الذي يحتوي على رسوم وزخرفة فريدة وتزين الفسيفساء أرضه.

كان لسقوط القدس بأيدي الصليبيين عام 1099 وحتى عام 1187 بعد أن حررها صلاح الدين الأيوبي أثر في تغلغل الأساليب المعمارية, القوطية والرومانسكية الأوربية في بناء الكنائس والقلاع والأديرة والقصور من أهمها كنيسة قبر السيد المسيح في القدس.

لم تعرف فلسطين نهضة فنية أو عمرانية طيلة حكم الدولة العثمانية لها من عام 1516 حتى 1919, بل كانت مسرحاً لحروب دامية داخلية وخارجية, وكانت تالياً عرضة للتوغل الاستشراقي الأوربي - الأمريكي بوصفها أرض التوراة والإنجيل, وقد مهّد الاستشراق الفلسطيني لكشف الصورة الحضارية القديمة والحديثة بغية السيطرة عليها وتأمين موقع قدم للغرب في أرض الديانات السماوية.

وبالرغم من قيام منظمة التحرير الفلسطينية ومؤسساتها التي تعنى بشئون التراث والفنون, فإن علم الآثار الفلسطيني مازال في يد الباحثين الغربيين والإسرائيليين, حيث نحتاج اليوم إلى تحرير هذا الحقل المعرفي بإعادة بلورة الوقائع التاريخية الفلسطينية وصيانة المواقع الأثرية فيها التي تحاول إسرائيل هدمها أو التعتيم عليها بغية إبراز الوجه التوراتي فقط. لقد توغل الفكر الاستيطاني - الصهيوني عبر الاستشراق الفلسطيني وعلم الآثار, ولابد من إعادة صياغة سياسة ثقافية عربية تدعم تطوير علم الآثار الفلسطيني وقيام شبكة متاحف عربية ترصد التشويه الإسرائيلي للتاريخ وتبرز الحق العربي الفلسطيني في الوجود والأرض والدولة.

وتصدر الكتب العلمية حول تاريخ الفن الفلسطيني الموضوعي باللغة العربية واللغة الأجنبية بغية نشر الوعي القومي - المعرفي جنباً إلى جنب مع النضال الفلسطيني في الداخل.

 

زينات بيطار

أعلى الصفحة | الصفحة الرئيسية
اعلانات