الحكمة الضائعة: الإبداع والاضطراب النفسي والمجتمع

الحكمة الضائعة: الإبداع والاضطراب النفسي والمجتمع

يعد هذا الكتاب محاولة جادة لمناقشة قضية الاضطراب العقلي والإبداع في إطار جديد شائق يحفل بكثير من الأمثلة والنماذج من عظماء المبدعين في الشرق والغرب.

(يحقق العمل الإبداعي الكثير لصاحبه ولمجتمعه, ويتطلب قدرات شخصية هائلة لا تكون عادة متوافرة أو محتملة أو ممكنة للآخرين, لهذا تطورت نظريات واتجاهات فكرية مختلفة تفسر سلوك المبدعين بالاضطراب العقلي والجنون. ولكثرة ما كتب مؤيدا لهذا الرأي, أصبحت صلة الإبداع بالجنون والاضطراب النفسي هي الأمر الشائع والقريب للذهن عند تفسير الجوانب الغامضة والمبهمة في سلوك المبدعين وتطور العملية الإبداعية).

بهذه العبارة استهل البروفيسور عبدالستار إبراهيم هذا الكتاب الذي نشرته (عالم المعرفة) أواخر (2002). وما هذا الكتاب - على حد تعبير المؤلف - إلا (إعادة تنظيم للوقائع والأفكار المتجمعة عن موضوع الإبداع وصلته بالاضطراب النفسي). ولكن سرعان ما يكتشف القارئ أن هذا الكتاب أكثر من ذلك بكثير. فهو يمثل نقطة تحول في الدراسات العلمية والأدبية التي تهتم بدراسة الإبداع والعبقرية, وبالدوافع الموجهة للشخص المبدع.

الحكمة الضائعة من الكتب النادرة التي تعكس رؤية تتسم بالشمولية والعمق. كتاب ضم كثيرا من الحقائق الرئيسية التي تراكمت في دراسة السير الذاتية للمبدعين في حقول الأدب والعلم والفن والسياسة, فضلا عن النتائج التي ارتبطت بالدراسات العلمية السيكولوجية للإبداع إثر تطور حركة القياس النفسي, وما ساندها من تجارب علمية متخصصة, وما قدمت من إنجازات في دراسة القدرات الإبداعية من خلال المقاييس التي وضعت للتعرف على هذه القدرات وقياسها.

والكتاب فضلا عن هذا قدم كثيرا من الحقائق المعاصرة عن طبيعة المرض النفسي والعقلي التي يحتاج إليها العاملون في حقول الإبداع ممن لم تتح لهم فرصة التعمق في الطب النفسي المعاصر.

العبقرية والمرض

احتل موضوع أمراض المبدعين والعباقرة اهتماما واضحا من الكاتب. ففي الفصل الخامس بعنوان (هدهد طه حسين) وغيره من فصول تناول المؤلف بالتحليل عددا كبيرا من السير الذاتية للعباقرة والمبدعين حتى يظهرنا على مختلف التناقضات التي اشتمل عليها الرأي التقليدي في دراسة سير العباقرة الذي قرن الإبداع والعبقرية - بصورة خاطئة - بالمرض العقلي والنفسي. ونكتشف منه أن المرض - نفسيا كان أو عضويا - يعوق - ولا ييسر - انطلاقة المبدع, ويعطل التعبير عن القدرة الإبداعية ولا يسهل نموها أو انطلاقها واستمرارها.

ولم يتعذر على المؤلف أن يستشهد بكثير من الحقائق العلمية ونماذج متنوعة من المبدعين في حقول الفن والعلم والسياسة ليثبت أن الإبداع على العكس يعتبر في كثير من الأحيان مؤشرا على الصحة النفسية والتكامل النفسي وليس مؤشرا على شيوع الاضطراب النفسي والمرض. والمؤلف هنا يتبنى تيارا مختلفا من التفكير أثبت من خلاله أن الإبداع ليس مدفوعا بالمرض النفسي, وإنما هو مدفوع بمستويات عليا من الصحة النفسية. فضلا عن هذا نجد أن الإبداع في كثير من الأحيان يعتبر بالنسبة لعدد كبير من المبدعين دافعا من الدوافع التي تقود للصحة النفسية والتكامل والعلاج النفسي. وقد رصد أكثر من دليل على ذلك, منها فيما يثبت الكتاب أن نسبة المرض النفسي بين العباقرة نسبة ضعيفة, مما يعبر - من وجهة نظره - عن هشاشة الفكرة التي ترى أن العبقرية تعبر عن الجنون والاضطراب النفسي.

ولأن أنماط الاضطراب النفسي والعقلي قد تختلف باختلاف طبيعة التخصص والحقل العلمي والفني للمبدع. فقد راعى المؤلف أن يستند إلى البحوث التي أجريت على فئات تخصصية متباينة ومتكافئة من حيث الشهرة والأهمية الإبداعية التي وصفت أعمالهم فشملت مجالات من الإبداع منها: الإبداع الفني - الأدبي, والفكري - الفلسفي, والعلمي, والموسيقي, والقيادة السياسية.

الإبداع والاضطراب النفسي

يتناول الكاتب الاضطرابات النفسية الشائعة واحدا وراء الآخر من حيث صلتها بالإبداع والاضطراب النفسي والعقلي. ولهذا فقد قارن بين المبدعين وغير المبدعين فيما يتعلق بعدد كبير من الأمراض النفسية والعقلية كالقلق والاكتئاب والمخاوف المرضية وتوصل لنتائج منها:

  • فيما يتعلق بدرجة القلق, لم توجد فروق تذكر بين مختلف الفئات الإبداعية, فيما عدا مجموعة (القادة السياسيين, إذ تبين أن 17,4% من القادة السياسيين عانوا اضطراب القلق ربما بسبب الضغوط النفسية التي تفرضها عليهم طبيعة عملهم.
  • أما عن المخاوف المرضية وحالات الذعر بما فيها المخاوف من الأماكن المتسعة والفسيحة, فقد شاعت أكثر بين الكتاب والفنانين (مثلا: (ألبير كامي), و(مانزوني), و(جوهان ستراوس)).
  • وعن الاكتئاب تبين أنه قد وجد لدى أكثر من 72% في مجموعة الكتاب والروائيين, تبعتها مجموعة الفنانين (41,7%) ثم الساسة (3و41%), والموسيقيين (34,6%), وأخيرا المفكرين (36%), والعلماء (33%).
  • وقد تميزت غالبية حالات الاكتئاب بفترات قصيرة لم تزد على أسبوعين. وقلت حالات الاكتئاب الذهاني, بدليل أن الانتحار لم يحدث إلا في خمس حالات في الدراسات التي أجراها الطبيب النفسي الإنجليزي (بوست) وهم (هيمنجواي), في الأدب الروائي, و(بولتزمان) في الفيزياء, و(فان جوخ), في الفن, و(هتلر) في مجال الزعامة السياسية (والذي بالرغم من اختلاف ظروف انتحاره, فقد تبين أنه عانى نوبتين اكتئابيتين في حياته المبكرة), ثم (تشايكوفسكي) في الموسيقى.
  • وبالرغم من أن الاكتئاب كان شائعا بالفعل بين المبدعين, فإن شيوعه كان أكثر في مجموعتي الأدباء من كتاب الرواية وكتاب المسرح, وجاء شيوعه مرافقا لشيوع اضطراب آخر في كتاب هاتين المجموعتين أنفسهما, وهو الإدمان الكحولي, مما قد يثير الشك في أن تكون الأعراض الاكتئابية نتاجا للإدمان لا أكثر ولا أقل.

والاضطراب النفسي والعقلي يشيع في طوائف من المبدعين دون الطوائف الأخرى. فهو يزداد بين الفنانين والممثلين, أكثر مما هو شائع بين العلماء والباحثين. بعبارة أخرى, فالاضطراب النفسي والعقلي يأتي مقترنا بالموضوعات الإبداعية التي تتطلب تعاملا مع المشاعر والاستناد إلى الخبرات الشخصية والذاتية, أي يأتي مقترنا بالإبداع في الموضوعات التي قد تثير بطبيعتها ضغوطا شديدة بسبب ما تثيره من الاستغراق في الرؤى الذاتية, أو بما تتطلبه بعض حقول الإبداع من تركيز مكثف على بعض الأوضاع البدنية الضرورية لإنجاز النشاطات الإبداعية المطلوبة (الميل لاستخدام عضو واحد فترات طويلة كما في الرسم أو الكتابة أو الرقص).

ومن المقولات المنهجية التي انتبه لها الكتاب أن الدراسات التي اعتمدت على تقديم قوائم العظماء من الرجال والنساء, كانت انتقائية إلى حد بعيد. بمعنى أنها ركزت فقط على الأعداد المتسمة بالاضطرابات النفسية والعقلية الحادة. فالعلماء الذين درسوا هذا الموضوع (وقد كان من بينهم الكثيرون من الأطباء وعلماء النفس المرضي) ركزوا - بحكم تخصصاتهم في دراسة الأمراض - على العلامات المرضية وجوانب الاضطراب والشذوذ متجاهلين في الوقت نفسه كثيرا من الجوانب الصحية, وأنواع التكامل النفسي والاجتماعي الذي اتسمت به هذه الجماعات.

إن مجرد وجود بعض حالات الانهيار والتوتر النفسي في حياة بضعة من المفكرين والمبدعين لا يعني أن حياة كل المفكرين والمبدعين الآخرين هي كذلك. كما لا يعني أن الاضطراب النفسي الشديد هو السبب في توليد العبقرية.

المبدعون بين العطاء والقهر

إذن فمن الصحيح أن حياة العباقرة والمبدعين وشخصياتهم ليست عادية وتبدو كما لو كانت من طبيعة خاصة, وتتسم بخصائص وسمات مختلفة لا نجدها بين العاديين. ولكن كثيرا من هذه السمات يمكن أن توصف بالفاعلية والإيجابية ولا توجد في المرضى العقليين الفعليين. فمثلا يثبت الكاتب بالاستناد إلى البحوث التي أجريت على جماعات المبدعين والعباقرة في الدراسات التي أجريت في الغرب أو تلك التي أجراها بنفسه في مصر أن الشخصيات الإبداعية والعباقرة يتميز كل منهم بعبقريته الخاصة في مجال التخصص من حيث الإنجاز والبحث والإبداع, فضلا عن هذا فقد كان جميعهم أيضا - وبالرغم من كل المصاعب التي واجهتهم- أكثر قدرة على الاستمرار في العمل والنشاط. وجميعهم اتصفوا بخصائص إيجابية من الشخصية بما فيها المثابرة, والجدية, وحب الإتقان. وغالبيتهم فضلوا القيام بأعمالهم منفردين. أما من حيث مقاييس الصحة النفسية والعقلية فقد تميزت الحياة الاجتماعية لجماعات المبدعين هذا بالرغم من أن حياتهم الاجتماعية كانت عموما أميل للصحة والاتزان, وحب الصداقة والمحافظة عليها. أي أنهم كانوا على عكس ما يصفهم به الناس والعامة أميل للصحة والتكامل النفسي والاجتماعي.

ولم يغفل المؤلف كعالم نفسي يعمل أيضا بالعلاج النفسي, أن يذكر لنا أن ممارساته في العلاج النفسي تعتمد في أجزاء كثيرة منها على تدريب المرضى على التفكير الإبداعي, بما في ذلك تدريب الذهن على التفكير في الأمور والمشكلات اليومية بطرق جديدة والبحث الخلاق عن بدائل صحية للأساليب المرضية المثيرة للقلق والاضطراب. وأشار إلى أن المريض النفسي في عيادته عندما ينجح في إتقان هذه المهارات من التفكير الإبداعي سرعان ما تأخذ أساليبه في تطوير صحته النفسية مسارها الإيجابي الأكيد, مما يضيف حقيقة أخرى عن أهمية التفكير الإبداعي لتطوير الصحة النفسية والعقلية, وليس لإضعافها وإثارة الاضطراب بها كما تدعي النظريات الشائعة وبعض وجهات النظر التي يتبناها الأطباء النفسيون حتى وقتنا هذا.

إن جزءا كبيرا من الإصرار على ربط الإبداع بالمرض النفسي والاضطراب العقلي فيما يقترح المؤلف يرجع في كثير من جوانبه لما يتعرض له المبدع من ضغوط العمل الإبداعي ومشقات الحياة النفسية والاجتماعية. فضلا عن هذا وذاك, هناك الأخطاء المزاجية, والتقلبات الانفعالية وأساليب التعامل الاجتماعي الخاطئة التي يرتكبها المبدع في حق نفسه أو في حق الآخرين. بعبارة أخرى فما يراه الدارس المتعجل للمبدع مرضا أو اضطرابا نفسيا وجنونا وغير ذلك من تشخيصات مرضية, لا يزيد في تصور الكاتب عن مجموعة من الاستجابات لمشقات العمل الإبداعي ومشقات التكيف لحياة اجتماعية لا تحسن الترحيب بالممارسة الإبداعية.

مواطن الحكمة

لم يقف كتاب (الحكمة الضائعة) عند مستوى تحليل الصعوبات والمشقات وأنواع الضغوط النفسية التي يواجهها المبدعون في حياتهم الشخصية والاجتماعية وعلاقتهم بالعمل الإبداعي. (الحكمة الضائعة) ينبهنا - على نحو غير مسبوق في الكتابات والمؤلفات التي ناقشت موضوع الصلة بين المرض النفسي والإبداع - إلى ضرورة الانتقال من الوصف وتشخيص المشكلة إلى مستويات أبعد تتعلق بتقديم مقترحات للعلاج والحلول لمشكلة التحديات التي تثيرها ممارسة الإبداع في المجتمع, والمهارات التي ينبغي تعلمها عند محاولة التوفيق بين متطلبات متصارعة. ولهذا, نجد أن المؤلف يفرد ستة فصول من الكتاب جاءت بمنزلة وصفة طبية وتوصيات علاجية للتغلب على ما يعانيه المبدع في رحلته الإبداعية وما قد تثيره هذه الرحلة من مشاق, وإجهادات. أي على حد قول الكاتب بمنزلة برنامج أو وجهة نظر علمية الهدف منها إعانة الشخص المبدع على إعادة تنظيم طاقاته ونشاطاته, ووجهات نظره لتحقيق أكبر قدر ممكن من الفاعلية والصحة دون إخلال بمتطلبات العمل الإبداعي.

وما قدمته هذه الفصول الستة الأخيرة من الكتاب كان محاولة ناجحة للاستفادة من نتائج بحوث الصحة النفسية وعلم النفس, وممارسته للعلاج النفسي والسلوكي, خاصة مع بعض المبدعين الذين قدموا له بحكم الصداقة أو بحكم الاستشارة المهنية بهدف التغلب على بعض أنواع الاضطراب النفسي والاجتماعي التي شكلت محورا مهما لديهم من محاور النمو والتطور بإمكاناتهم الإبداعية.

تكفي هذه الفصول لأن تجعل من الكتاب علامة مشرقة بحق من علامات التطور السيكولوجي في بلورة دور جديد يمكن للعلوم النفسية والسلوكية المعاصرة أن تقوم به من حيث حماية المبدعين من الضياع ووقاية القدرات الإبداعية من التدهور.

والكتاب في جملته يشكل محاولة رائدة, وسواء اتفقنا مع المؤلف أو اختلفنا معه في بعض استنتاجاته, فإن رحلة القارئ بين صفحات هذا الكتاب ستكون دون شك مليئة بالإثارة والفائدة.

 

عبدالستار إبراهيم

أعلى الصفحة | الصفحة الرئيسية
اعلانات




غلاف الكتاب