الساحرة الشريرة ومكنستها الطائرة

الساحرة الشريرة ومكنستها الطائرة

رسم: أحمد الخطيب

ذهَبَ رامي وريم لزيارةِ جدّتهما هنيّة وجدّهما «أبو كامل»، وبعد التحية والسلام، اقترحَ الجدُّ أبو كامل أن ترْوي لهم الجدّة هنيّة حكايةَ الساحرةِ الشّريرةِ ذات المكنسةِ الطائرةِ.

تحلق الثلاثةُ حولَ الجدّة الماهرةِ في سردِ القصصِ والأساطيرِ وبدأت:

«كان ياما كان في سالفِ العصرِ والأوان، كانت توجد ساحرةٌٌ دميمةٌ لا تحبُّ الجمالَ، وقذرةٌ لا تحبُّ النظافةَ، شريرةٌ ولا تحبُّ الخيرَ لأحدٍ. عندها مكنسةٌ تقول لها: «يا مُكنستي السحريّة خذيني إلى البلادِ البعيدةِ أسافر إليها وأجعلها بغيضةً! كان ثوبُها أسود وقبعتُها سوداء، تحبُّ الليلَ وتكرهَ النهارَ، لأنّ الظلمةَ تُخفي أعمالَها، والضوءَ يفضحُها. في ليلةٍ قالت لمكنستِها: «يا مكنستي السحريّة خُذيني إلى بلادِ الربيع». وسافرت الساحرةُ إلى تلك البلادِ الجميلةِ المليئةِ بالأزهارِ الملوّنةِ والأعشابِ الخضراءِ مأوى جميع الحشراتِ، حيثُ تتلأْلأُ فيها مياهُ بحيرةٍ يلعبُ فيها الأطفالُ ويستحمّونَ، وعلى ضفافِها ترتفعُ أشجارٌ ملأى بأعشاشِ الطيورِ وفراخِها.

عندما وطِأت قدماها أرضَ الربيعِ، ضحكت الساحرةُ ضحكةً جهنميّةً قائلةً: تكفي هذه الموادُّ الكيماويةُ المسمومةُ مع بعضٍ من سحري لألوّثُ بها مياهَ البحيرةِ، فتتحولُ الأعشابُ الغضّةُ إلى يباسٍ، والأزهارُ إلى بقايا وتحترقُ الأشجارُ وتصبح هذه الأرضُ ملعبًا لأصدقائي الجرذانِ والفئرانِ، هيّا يا مكنستي رشّي السحرَ في الماءِ! وهكذا حدث، وكانَ ما كانَ.

بدأت الأزهارُ تئنُّ من ألمِها بعد أن شربَ ترابُها مياهًا مسمومةً، والأشجارُ تتساقطُ أوراقُها، واستحال المنظرُ الخلابُ للربيع مشهدًا مرعبًا من الدمارِ واليباسِ، ومرّت الأيامُ، كانت الساحرةُ خلالها تختبئُ في النهارِ خوفًا من أشعةِ الشمسِ ونورَها وتسرحُ وتمرحُ ليلاً، تتمتّع بما فعلَ سحرُها، وترحبُّ بالجرذان تقتات من النفايات، والقمْلُ يهجمُ على رءوس الأطفالِ الذين لم تعد عندهم مياهٌ نظيفةٌ يغتسلونَ بها، وبدأ مرضُ الجربِ يزحفُ نحو أجسادِهم الصغيرة، علا صوتُ البكاءِ وعمّ الحزنُ تلك الأرضَ، والساحرةُ سعيدةٌ، نسيتُ الوقتَ، فمرَّ الزمنُ سريعًا وفجأةً، أشرقت الشمسُ غاضبةً، ترسلُ أشعةً حارقةً، نظرت الساحرةُ نحو السماء وقالت لمكنستِها: يا مكنستي السحريّةِ هيا نهربُ من الضوءِ، أسرعي خذيني إلى بلادٍ مظلمةٍ! استوقفتها الشمسُ مزمجرةً: لقد فاتَ الأوانُ يا شريرة، سأحرقُ مكنستك وستبقينَ هنا تحت نيراني، عجوزًا ضعيفةً لا حول لك ولا سحر عندك.

هذا عقابك العادل. صرخت الساحرةُ من الخوفِ والغضبِ: لا، ليس بهذه السهولةِ ينتهي أمري. حاولتْ حثّ مكنستها على النهوضِ دون جدوى، ركضتْ محاولةً الهرب، فشلت، عندها استسلمتْ وركعتْ إلى جانب مكنستها المحترقة تناديها: آه يا مكنستي المسكينةِ، قد احترقتِ، لن تسمعيني بعد اليوم، ولن تسافري بي إلى أي مكان. ماذا أفعل من دونك؟!

قالت لها الشمسُ: أخطأت كثيرًا وتستطيعين أن تفعلي شيئًا جيدًا قبل أن أساعدك على مغادرةِ هذا المكانِ، والاحتماء من أشعتي في كهفٍ مظْلمٍ. نظّفي البحيرةَ من الموادِ الكيماوية بما تبقى لديكِ من سحرٍ. ردّت الساحرةُ العجوزُ ذليلة: أنا جاهزةً. لديّ مواد تتفاعلُ مع تلك التي وضعتها في الماء، وتُبْطلُ مفعولَها، سأرشُّها في البحيرةِ، لكن أرجوك يا شمس أنقذيني! بعد أن نفّذتْ ما طُلب منها راحتْ تجري في طريقِ الكهفِ الذي دلتها الشمسُ إلى مكانِهِ، وذهبت معها الجرذانُ والفئرانُ والقملُ. بفضل قوةِ الشمسِ ومحبتها للأرضِ عادت الضحكةُ إلى وجوهِ الأولادِ واختفى الجربُ من أجسادهم. لكنّ الأرضَ بأعشابِها وأزهارِها وأشجارِها بحاجةٍ إلى الكثيرِ من الوقتِ لتنبتَ وتنمو من جديدٍ.

ومنذ ذلك الحينِ لم يعد يسمع أحدٌ أيّ خبرٍ عن الساحرةِ الشريرةِ، وهذه الحكاية أخبرتها وفي صدوركم خبّأتها». ختمت الجدة هنيّة حكايتها! بدأ الفرحُ والدهشةُ على وجهي رامي وريم. عندها «تنحنح» الجدُّ أبو كامل قائلاً: والآن يا أولاد أخبروني هل كان عقابُ الساحرةِ عادلاً؟! ردّ رامي ساخرًا: «أي ساحرة يا جدي؟ لقد أخبرتنا مرارًا أنه لا يوجد سحرٌ، إنما ألعابُ خفّة، والذي يمارسُ السحرَ هو إنسانٌ ذكيٌ يفهمُ ظواهرَ الطبيعةِ وعلوم الكيمياء وفيزياء الأشياء. وهذا ما نتعلمه في المدرسةِ عن الموادِ الكيماويةِ التي تتفاعل مع بعضِها وتنتجُ مواد أخرى أو يُبطل بعضُها مفعولَ الآخر، وكم هي خطرة على البيئةِ».

- أحسنتَ يا رامي!

أما ريم التي مازالت تفكّرُ بالأشجارِ والأزهارِ فقالتْ حزينةً: كم الطبيعة جميلة عندما نحافظُ عليها ونحميها من التلوّث!

- قاطعتهم الجدة قائلةً: والآن حانَ وقت الحلوى يا أحبّائي، ماذا أصنعُ لكم؟ وبصوتٍ واحدٍ ردّ الجميعُ: كعكٌ ومهلبيةٌ، حلوياتُك لذيذةٌ، هيا بنا نساعدك!

 


 

قصة: سميّة عزام